موقع فضيلة الشيخ صلاح الدين بن عبد الموجود

 

جديد المرئيات
جديد الصوتيات



جديد المرئيات

جديد الصوتيات

المتواجدون الآن


تغذيات RSS

08-20-1431 05:39 PM

وحشة الانقطاع
إن العبد في بعض الأوقات يذوق طعما في قلبه غريبا، يذوق لذة قرب، ولذة مناجاة للرب سبحانه وتعالى، يرى أن نعيم الدنيا قد اجتمع في قلبه، ولكن بعد لحظات قد يذهب هذا الطعم، كمن اشتهى أكلة شهية، فلما وقعت بين يديه، وذاق طعمها وتلذذ بها، فبعد انقضائها ذهب الطعم، فهذه اللحظات قد تمر بجميع المسلمين، من برهم وفاجرهم، وربما تنقطع، بل نرى أن الغالب هو الانقطاع، نرى أن العبد يشتهي أن يسكن له قلبه، وأن يتلذذ بمناجاة الملك سبحانه وتعالى، وأن يعيش هذا الإيمان وهذا الدين كما عاش من سبق، وعرفوا الله عز وجل، وتذوقوا الطعم إلى أن لقوا الله عز وجل.
ما هو السبيل؟ كيف السبيل لأن تثبت هذه اللذة في قلبي، فلا أتحول عنها أبدًا، ولا تذهب عني أبدًا، هناك أسباب قد تكون كثيرة.
ولكن نرى أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم جاهدوا أنفسهم حتى بلغوا هذا المنزل، صارعوا هذه الحياة، واشتاقوا لرب البريات، عاشوا مع القرآن كما أنزل، وعاشوا مع نبيهم صلى الله عليه وسلم يتابعونه على كل أمر، إن نزلت نفوسهم عن هذا القدر، إذا بهم يعودون سريعا يتمسكون بدينهم وينطلقون سراعا ويسيرون إلى الله تبارك وتعالى وكله شوق إلى لقائه.
ولذلك ما كان في قلوبهم أمر أحب إليهم من الله عز وجل، ولذلك من عرف الله سبحانه ما طلب سواه، من عرف الله عز وجل ما اتجه لغيره قط، من عرف الله عز وجل ما انقطع عن محبته أبدًا.
ولذلك كان من أول الخطوات، ومن أول المراحل:ـ
1 أنهم عرفوا الله عز وجل حق المعرفة، فما التفتوا إلى سواه، ظل هذا الحب يعشعش في قلوبهم، ويترجم على جوارحهم لله سبحانه وتعالى، فما انقطعوا عنه قد.
2 أنهم عرفوا الطريق، وعرفوا كيف يسيرون فيه، ومن عرف الطريق لم ولن يلتفت إلى سواه {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ}. [الأنعام/153].
فلما عرفوا الطريق إلى الله عز وجل، ولا يكون هذا إلا بعلم، ساروا إلى الله عز وجل بالقليل والكثير، تارة سرعانًا وتارة حتى ولو حبوًا، المهم أنهم جميعًا كانوا على الطريق.
3 أنهم أيقنوا بالآخرة، وأن الدنيا ليست بدار بقاء، وأنها تنصرم سريعًا، فهي سريعة الزوال، تمر الليلي والأيام وتقربك إلى أمر لآبد منه، تقربك إلى موت حتمي، شئت أم أبيت {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ}. [الزمر/30].
فهذا الأمر الذي اجتمع في قلوب هؤلاء القوم، حفزهم على النبل، وعلى العلو في أمر الآخرة، وما أخذوا من الدنيا إلا القليل، وعندما يتعثر القلب بين الحين والآخر تنزل الآيات {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ}. [الحديد/16].
قال ابن مسعود: مَا كَانَ بَيْنَ إِسْلَامِنَا وَبَيْنَ أَنْ عَاتَبَنَا اللَّهُ بِهَذِهِ الْآيَةِ { أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ }. إِلَّا أَرْبَعُ سِنِينَ. مسلم (3027).
{أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ} أن ينبت هذا الإيمان في هذه القلوب، حتى تسير إلى الله عز وجل، ولذلك لو رأينا إلى مجمل الصحابة، كانوا أتقياء، كانوا هم أعرف الخلق بالله عز وجل، كانوا يعرفون متى ينشطون، وإذا وقع الكسل كيف يقومون، فما وقع أحد منهم في عثرة، إلا وقام منها.
كان أبو موسى الأشعري رضي الله عنه في أخر عمره، يسرد الصوم، ويقوم الليل حتى كاد أن يتلف، كان أبو موسى بدينًا، كان رجلًا سمينًا، فظل على حالته من الصيام والقيام، حتى كان كالخلال الخلة: التي يتسوك بها العبد وينقي بها أسنانه.
فقيل يا أبا موسى أتلفت نفسك، أنت تهلك هذه النفس، وأنت رجل مسن، فكان يقول: إن الخيل إذا قاربت رأس مجراها أخرجت كل ما عندها، حال السباق، ربما الخيل تعدو بسرعة، وربما تتباطئ، ولكن حينما ترى الخيل قرب المنتهى، تخرج كل ما عندها، حتى تصل، وحتى تسابق، إن الخيل إذا قاربت رأس مجراها أخرجت كل ما عندها وما بقي من عمري إلا القليل.
وهذا ابن عوف رضي الله عنه أُتِيَ بِطَعَامٍ وَكَانَ صَائِمًا فَقَالَ قُتِلَ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ وَهُوَ خَيْرٌ مِنِّي كُفِّنَ فِي بُرْدَةٍ (فِي بُرْدِهِ) إِنْ غُطِّيَ رَأْسُهُ (غُطِّيَ بِهِ رَأْسُهُ) بَدَتْ رِجْلَاهُ وَإِنْ غُطِّيَ رِجْلَاهُ بَدَا رَأْسُهُ وَأُرَاهُ قَالَ وَقُتِلَ حَمْزَةُ وَهُوَ خَيْرٌ مِنِّي ثُمَّ بُسِطَ لَنَا مِنَ الدُّنْيَا مَا بُسِطَ أَوْ قَالَ أُعْطِينَا مِنَ الدُّنْيَا مَا أُعْطِينَا وَقَدْ خَشِينَا أَنْ تَكُونَ حَسَنَاتُنَا عُجِّلَتْ لَنَا ثُمَّ جَعَلَ يَبْكِي حَتَّى تَرَكَ الطَّعَامَ. البخاري (1275).
ما بال هؤلاء القوم عرفوا الله عز وجل فما رضوا بسواه، وما بال هؤلاء القوم عرفوا الطريق، فانطلوا إليه يعدون، وما بال هؤلاء القوم عرفوا الآخرة فما رضوا مكانًا في الآخرة إلا الجنة.
هذه الأسباب هي التي أدت بهؤلاء القوم أن يبشر منهم من يبشر بالجنة، حينما يقول النبي صلى الله عليه وسلم وينادي: أَبُو بَكْرٍ فِي الْجَنَّةِ ، وَعُمَرُ فِي الْجَنَّةِ ، وَعَلِيٌّ فِي الْجَنَّةِ ، وَعُثْمَانُ فِي الْجَنَّةِ ، وَطَلْحَةُ فِي الْجَنَّةِ ، وَالزُّبَيْرُ فِي الْجَنَّةِ ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ فِي الْجَنَّةِ ، وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ فِي الْجَنَّةِ ، وَسَعِيدُ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ فِي الْجَنَّةِ ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ فِي الْجَنَّةِ. الترمذي (3747)، أحمد "مسند" (1/193)
عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ.
كيف وصل هؤلاء إلى هذه المراحل؟ بالمجاهدة، أنت في هذه الحياة في دار فتن ودار بلايا ورزايا، قل أن تجد في زمانك من يعينك على طاعة، قل أن ترى في زمانك من يأخذ بيدك إلى بر، ترى أن الكل غافل، وترى حياتك مع الغافلين، ترى نفسك أبعد ما تكون أن تستحضر القلب في ساعة لذة مع الله عز وجل، وكيف تستحضره وقد اجتمعت الهموم على قلبك، وكثرت عليك الشواغل، فلا تفكر إلا في أحقر الأمور، في أدناها.
من منا فرط يومًا في إعداد طعامه، أو شرابه، أو لباسه، أو مسكنه؟! لا أحد.
ثم من منا فكر في يومه أن يعد نفسه لآخرته؟! وأن يقول لنفسه يا نفس اليوم ربما تأتيني المنية، ربما اليوم يدركني الموت، من فعل هذا؟! ربما القليل.
أيها الأحباب {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ} أما آن لنا نفيق، وأن نعرف هذه الحقائق التي غابت عن قلوبنا، أن لنا رب هو أحق أن يعبد، وهو أحق أن يطاع، ويجب على كل عبد أن لا يكون في قلبه إلا هو، من أين نجد هذه اللحظات؟ لحظات لذة والقلوب لاهية غافلة.
روى مسلم عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، يَقُولُ : ذَاقَ طَعْمَ الإِيمَانِ مَنْ رَضِيَ بِاللَّهِ رَبًّا ، وَبِالإِسْلامِ دِينًا ، وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا.
مسلم (34)، الترمذي (2623).
وروى عَنْ أَنَسِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ قَالَ ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ. < البخاري (21)، مسلم (43) >.
من منا يستطعم هذا الطعم الحلو، الذي إن ذاقه القلب لن يتركه أبدًا، طعم المحبة لله عز وجل، التي من أجلها يبلغ به السفر إلى بلد لم يكن بالغه إلا بشق الأنفس، ولكن بالمحبة، أعني محبة الله عز وجل، يصل العبد أسرع مما كان يتخيل، إذ الحب يدفع العبد إلى أن يعد الخطى، ويتمني أن يطير إلى المحبوب، فإن أحب الله عز وجل لن يكون في قلبه إلا هو، ولن يكون على جوارحه إلا ما يحب الرب.
ولذلك أجمع العقلاء من المسلمين على أن الطاعات تورث محبة الرب، وعلى أن المعاصي تجعل القلب في وحشة عن الله عز وجل.
قال الحسن: عباد الله إياكم والمخالفة، أي مخالفة الله عز وجل، فإن موسى عليه السلام خرج في طلب الخضر فخالفه في مسائل ثلاثة، ثلاثة مسائل خالف فيها موسي الخضر، فقال له الخضر {هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ}.
ونحن كم من مخالفات بيننا وبين الرب، كم من عصيان جهارًا؟ كم من مخالفة للطاعات، فمتى سنفق؟ متى سنعود؟ متى سنرجع لله عز وجل وننيب؟ متى نعلم أنه ما بقي في العمر بقية؟ هذه الغفلة التي خيمت على غالب المسلمين هي أصل التثبيط.
كل يفكر في ساعته في لحظته يومك يومك لا، قد يكون يومك هو آخر الأيام، وقد تكون لحظاتك هي آخر اللحظات، فكر لنفسك في مخرج كيف تعظم الرب قي قلبك، فتش في قلبك ما لله فيك، إن رأيت نفسك على الطاعات قائمًا، وعن المعاصي منتهيا، رأيت أحب الأشياء إليك ما يحبه الله عز وجل، وأبغض الأشياء إليك ما يبغضه الله عز وجل، ورأيت على جوارحك السبق، فهنيئًا لك، أما إن رأيت من نفسك تباطئا وتكاسلا، ورأيت من نفسك تسويف، فاعلم أنك على شفا جرف هار.
لما خرج موسى ومعه أسباط بني إسرائيل، خرجوا لميقات الله عز وجل، فسأله الرب سبحانه وتعالى: {وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَا مُوسَى}. [طه/83].
أخذ بعض أهل العلم من هذا أن هذا عتاب، لما يا موسى تركت قومك وأسرعت؟ {قَالَ هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي} قال بعض أهل العلم أن المسافة قريبة، أي ما فتهم بمسافة بعيدة {قَالَ هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي} ولكن شوق الحب دفع موسى عليه السلام، أن يسرع للقاء الحبيب، أن يسبق، قال: {وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى}. [طه/84].
نحن في حاجة إلى أن نشوق قلوبنا، وأن نهيجها بمحبة الله عز وجل، ولا تكفي المحبة، فإن المحبة عليها أدعياء كثر، إن رأيت ظالمًا فاسقًا، فاجرًا، الكل يدعي محبة الله عز وجل، ولا تكون المحبة صادقة إلا بصحة الطريق، إلا بصحة الوصول إلى الله عز وجل، ولن تصل إلى الله إلا كما أراده، بين لك في الكتاب، وأرسل لك رسولًا، دلك به على الطريق، فلا طريق إلى الله عز وجل، إلا بكتاب الله، وبسنة رسوله صلي الله عليه وعلى آله وسلم.
إن أردت أن تكون صادقًا في الأمر فعليك بالعلم الذي يبصرك بالطريق إلى الله سبحانه وتعالى.
ولذلك علم النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه الطريق، وأن الطريق إلى الله هو أقصر الطرق، لن ترى طريقًا قط، إلا وفيه عوج إلا طريق الله عز وجل، ولن ترى طريقًا قط فيه إلا وفيه شطط، إلا طريق الله سبحانه وتعالى.
عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ، قَالَ : خَطَّ لَنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطًّا ، ثُمَّ قَالَ : هَذَا سَبِيلُ اللهِ ، ثُمَّ خَطَّ خُطُوطًا عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ شِمَالِهِ ، ثُمَّ قَالَ : هَذِهِ سُبُلٌ - قَالَ يَزِيدُ : مُتَفَرِّقَةٌ - عَلَى كُلِّ سَبِيلٍ مِنْهَا شَيْطَانٌ يَدْعُو إِلَيْهِ ، ثُمَّ قَرَأَ : {وَإِنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ ، فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ}. < ابن ماجه (11)، أحمد "مسند" (1/435) واللفظ لأحمد >.
أشار إلى هذا الطريق المختصر، ثم أشار إلى الخطوط العراض {وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ ، فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ}. تقعون في شتات من الأمر، ولذلك كان لزامًا على العبد كما أنه يخطط لطعامه وشرابه، وملبسه ومسكنه ولأمره من الدنيا، لآبد أن يخطط في صحة سيره إلى الله عز وجل، ليس سبهللة، ليس بطريقة همجية أن ندعي الحب، وأن ندعي المحبة، وأن ندعي الإيمان، وبيننا وبين الإيمان مفاوز.
ربما تكون أبعد ما يكون عن الأصل، عن الطريق، وتظن أنك على صواب {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (103) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (104)}. [الكهف/104/103].
ظن الجاهل أنه على الطريق، وهو أبعد ما يكون، لأن على الطريق معوقات، ليس كما نتخيل ولا كما نتصور،
إن الطريق إلى الله عز وجل وإن كان هو أقصر الطرق، وأسهل الطرق إلا أن المعوقات كثيرة، هناك قطاع طرق، يحيلون بينك وبين الوصول، قال عز وجل: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (14)}. [آل عمران/14].
انظر إلى أصول البليات، وعظيم الرزيات، ممن يُحيل بين العبد وبين الرب.
{زُيِّنَ}. أولًا من الشهوات، والشهوة ليست على إطلاقها محرمة، بل جعل الله عز وجل أصل الشهوة للوصول إليه، أن تستمتع بما أحل الله لك، وأن تشتهيه، لا لأن يعطلك، ولا لأن يقعدك، إنما جعل الله الشهوة حتى تنطلق إليه بقلب منشرح، فإن عظَّمت الشهوة صارت محرمة، ولا يحق لك أن تتمادى فيها {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ} فقد تكون من أعظم حسناتك أن ترزق بزوجة صالحة، تعينك على طاعة الله عز وجل، أو ترزق بولد نجيب يكون امتدادًا لك بعد موتك.
بل ومن أعظم البليات وأجل الرزيات، أن ترزق بامرأة تعطل سيرك عن الله، وأن ترزق بولد لا يعينك إلا على كل معصية، وكل ذنب والعياذ بالله.
إذًا هذه النعم قد تكون نعم، وقد تكون نقم، ثم {وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ}انظر إلى عظيم هوى النفس لهذه النوع الثالث، من الذهب والفضة فإن وجود الزوجة، وإن وجود الولد، يحرك فيك كوامن الاستكثار من الدنيا، زوجة لها طلبات وتريد، وأبناء يحتاجون منك إلى المزيد، وعقلك مشغول في الليل والنهار، لا تفكر إلا في هذه البلية، وهذه الرزية، فأقعدوك {وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ} كل هذا يعود على الأول والثاني، فتفرغك لله عز وجل نعمة، أن تفرغ القلب لله سبحانه من أعظم الوسائل للوصول إليه {ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} هذا متاع زائل.
خذ منه على قدر ما يبلغك ، وما يعينك في الطريق إليه سبحانه وتعالى.
أيها الأحباب إن الطريق شاق، ناح فيه نوح، وأُلقي إبراهيم في النار، وموسى عليه السلام خرج طريدًا من بلده، ولقي شدة جوع، وعسر سير، حتى كاد أن يهلك، ورفع عيسى عليه السلام إلى السماء بعد أن كاد أن يقتل، ومحمد صلى الله عليه وسلم خرج من الدنيا بعد عناء، ودرعه مرهونة في قفيز أو في صاع من شعير عند يهودي، فلا تتخيل ولا تتصور مدى العناء، الذي لقيه الأنبياء، فكيف بك يا مسكين؟.
كيف تتصور حالك {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ}. [الحديد/16].
حرك قلبك وأفق، فما بقي من عمرك إلا لحظات، قال عز وجل لمن تنعم في الدنيا بكل لذيذة، {كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ}. [المؤمنون/112].
كم لبستم؟ من عاش عمر نوح، من تنعم بكل لذائذ الدنيا {قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ}. [المؤمنون/113].
يا لحقارتها، يا لدنائتها، يا لخستها، دنيا لا تساوي إلا يوم أو بعض يوم، لمن تنعم بها فكيف بمن هو حاله كحالنا؟ كيف حالنا؟ إن لقينا الله عز وجل ونحن لا حصلنا من الدنيا، ولا حصلنا من الآخرة ما أحوجنا إلى الاستبصار بالطريق، وما أحوجنا إلى أن نجأر إلى الله عز وجل، بضعفنا وعجزنا، ما أحوجنا أن نقف بين يدي الله وقفة، نذكر ذنوبنا، وخطاينا، ونذكر تقصيرنا في حقه، وأن الدنيا قد ألهتنا وشغلتنا وضيعتنا، فصار الذهن مشغول، والقلب هائم في كل واد، وما لنا إلا أن نتمنى.
والأماني عباد الله هي بضاعة المفاليس، كل مفلس يعيش على الأمنية، إن ربي غفور رحيم، نعم غفور رحيم غافر الذنب، وقابل التوب شديد العقاب {أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ (18)} احذر أن تعيش على الأمنية وأنت مفرط وأنت مضيع ليس لك من دينك إلا الاسم، وليس لك من الاسم إلا الرسم، وليس لك إلا الصورة أو الشكل، احذر أن يكون القلب خاويًا، فاترًا تؤدي أمر الله عز وجل وأنت مشغول بالتافه.
ولذلك ورد في بعض الآثار أن العبد إن وقف أمام الرب في الصلاة، فإن التفت، والالتفات ليس بالوجه فقط، التفات القلب أعظم {يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (89)}. [الشعراء89/88].
فالقلب هو الذي يعيش بالعبادة، هو الذي يستغرق الأمر كله، أما الجوارح فهي تابع، فإن التفت أي التفت القلب، دخل في الصلاة فإذا هو خرج من الصلاة بأي تافه من الدنيا، يقول له الرب : أألى خير مني، أرخوا الحجب أو أسدلوا الحجب، فيحال بينه وبين الله عز وجل.
أيها الحبيب من عرف الآخرة لم يرض منها إلا بالجنة، احذر أن تعيش مذبذبًا لا فكر لك، ولا هم لك، إن لم يشغلك هم الآخرة، فما الذي يشغلك؟.
قال إبراهيم التيمي: جلست مرة مع نفسي، فقلت لها يا نفس ما تشتهي؟ قالت الجنة، آكل من طعامها، وأشرب من شرابها، وأتمتع بأبكارها.
قلت لها ومما تخافين؟ قالت من النار، من حرها وزقومها، وأغلالها، (كل إنسان يتمنى هذا، لو جلس كل عاقل منا ما الذي تريد؟ الجنة، ما الذي تخاف؟ النار) قال فقلت لنفس يا نفسي ها أنت في الأمنية، من الآن، ها أنت في الأمنية، إن أردت الجنة، فاسلكي مسالك أهل الجنة، ليس بالأماني، هي تجارة، أنفس الأشياء الجنة، ومن ثَمَّ جعلها الله عز وجل، بأغلى الأسعار.
الدنيا حقيرة لا وزن ولا قيمة، جعلها الله عز وجل أهون من جناح بعوضة، للدنيا أهون عند الله عز وجل من جناح بعوضة، أما الجنة فلا، هي سلعة الله الغالية، قال عز وجل: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ}. [التوبة/111].
ما رضيَ منك ثمنًا للجنة إلا النفس فما دونها، إذًا سلعة الله غالية، أعلى وأغلى الأسعار، لا أن تعطي لها فضلتك، من يومك أو ليلك أو نهارك، لا، لابد أن تعطي للجنة كل شيء، لا فكر في قلبك إلا الجنة، ومن ثَمَّ انكسر أقوام بين يدي الله عز وجل، وذلوا حتى لقوا الله سبحانه، لأنهم أرادوا الجنة.

تعليقات 1 | إهداء 5 | زيارات 1951


خدمات المحتوى
  • مواقع النشر :
  • أضف محتوى في Digg
  • أضف محتوى في del.icio.us
  • أضف محتوى في StumbleUpon
  • أضف محتوى في Google
  • أضف محتوى في Facebook


التعليقات
#431 Egypt [ابن الركايبى]
1.01/5 (57 صوت)

11-10-1431 06:20 AM
جزاك الله خيرا


الشيخ صلاح الدين علي عبد الموجود
الشيخ صلاح الدين علي عبد الموجود

تقييم
1.85/10 (429 صوت)

Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.