صفحة جديدة 1 صفحة جديدة 1 صفحة جديدة 1 صفحة جديدة 5 صفحة جديدة 1
 

 

مقطع وثائقي أذاعته

قناة صفا الفضائية

للبحث في الملتقى بواسطة Google


العودة   ملتقى طلاب العلم > فضيلة الشيخ صلاح الدين علي عبد الموجود > قسم تفريغ الدروس
التسجيل الأسئلة الشائعة قائمة الأعضاء التقويم البحث مشاركات اليوم اجعل كافة المشاركات مقروءة

موضوع مغلق
 
أدوات الموضوع طرق عرض الموضوع
  #1  
قديم 01-13-2010, 04:55 PM
أبو عمر بن غالي أبو عمر بن غالي غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Feb 2009
المشاركات: 251
افتراضي خطبة وإن تطيعوه تهتدوا لشيخنا المبارك صلاح الدين بن عبد الموجود حفظه الله

بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
وإن تطيعوه تهتدوا
إِنَّ الحَمْدَ للهِ؛ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلاَ مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلاَ هَادِيَ لهُ.
وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ -وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ-.
وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.
?يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ? [آل عمران:102].
?يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا? [النساء:1].
?يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا? [ الأحزاب:70-71].
أَمَّا بَعْدُ:
فَإِنَّ أَصْدَقَ الحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ تعَالَى، وَخيرَ الهَدْيِ< الهَدْي: السيرة والهيئة والطريقة.> هَدْيُ مُحَمَّدٍ ، وَشَرَّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلاَلَة.
ثم أما بعد:
عباد الله,
لا يُعلم على مدى التاريخ, أن أقواما أحبوا شخصاً حباً عظيماً, حتى تعلق بقلوبهم هذا الحب, وصار أثرا على الجوارح, وافتدوا هذا الحبيب بالمهج, إلا أصحاب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم, فمهما قلبت في التاريخ, فلن تجد رفقه كانوا أشد حباً للنبي صلى الله عليه وسلم من هؤلاء, فمحبة النبي صلى الله عليه وسلم, لم تقف عند حد, بل وصلت إلى آخر الحدود, إذ المولى تبارك وتعالى أمر بحبه, وعظم شأن محبته, وأمر سبحانه وتعالى بطاعته, وجعل سبحانه وتعالى محبة هذا الرسول من محبته سبحانه وتعالى, بل جعل أن سُبل الهداية, وسُبل الطاعة في متابعة النبي صلى الله عليه وسلم, فقال عز وجل: {وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا}. [النور/54].
وقال سبحانه وتعالى مقسما على هذا. {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (65)}. [النساء/65].
علام يقسم الرب سبحانه وتعالى هذا القسم العظيم؟ {فَلَا وَرَبِّكَ}.
فأمر هنا فيه شطران:ـ
أن الله عز وجل أقسم, وقسم الله عز وجل على أمرٍ عظيم, ليس بالهين, ثم أقسم بمن؟ قال بربك أي برب محمدٍٍ صلى الله عليه وسلم, وهذا تعظيمٌ للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ}. فنفى سبحانه وتعالى الإيمان {حَتَّى يُحَكِّمُوكَ}. أي يحكموا النبي صلى الله عليه وسلم, بشخصه في حياته, وبسنته بعد مماته صلى الله عليه وسلم. {حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا}.
عباد الله إن الحب نعمه, وأعظم الحب أن يتوجه القلب إلى محبة الله عز وجل, ومحبة رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم, ولكن هذا الحب نراه في آخر هذه الأمة, نراه حبا نظرياً, إذ الصحابة رضي الله عنهم, ظهر أثر هذا الحب أثراً عظيماً, في الأقوال والأفعال والسلوك, لم يكن حباً نظرياً وادعاء, إنما كان هذا الحب مترجماً إلى حياة عمليه, في حياة هذا الجيل.
إن الحب الصادق, أو من أحب حباً صادقاً, يُطيع من أحب, ربما في الخير والشر, وربما في القليل والكثير, وربما تراه في ليله ونهاره لا يغيب َطيفه عنه.
فكيف بحب من أرسله الله عز وجل رحمة للعالمين؟ كما قال سبحانه: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ}. [الأنبياء/107].
فكيف بمن جعله الله عز وجل هدى ونور؟ فكيف بمن أخرج الله به العباد من الظلمات إلى النور؟ فأين واقع هذه المحبة على المسلمين؟ أين أثر هذه المحبة على من ادعى محبة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم؟.
إن الصحابة رضي الله عنهم ترجموا هذه المحبة ترجمة عملية, ما كان هناك أمر نظري, إنما ترجموها ترجمة عملية.
فهذا الصديق رضي الله عنه. كان بينه وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يبعث صداقة, وكان بينهما محبة, فلما أوحي إلى النبي صلى الله عليه وسلم, أخبر أبا بكر بأمره, فما تردد أبو بكر رضي الله عنه طرفة عين, لعلمه من خصوصيات صاحبه النبي صلى الله عليه وسلم, حتى أن النبي صلى الله عليه وسلم شهد له هذا, قَالَ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - : " مَا دَعَوْتُ أَحَدًا إِلَى الْإِسْلَامِ إِلَّا كَانَتْ عِنْدَهُ كَبْوَةٌ وَتَرَدُّدٌ وَنَظَرٌ، إِلَّا أَبَا بَكْرٍ، مَا عَتَمَ مِنْهُ حِينَ ذَكَرْتُهُ وَمَا تَرَدَّدَ فِيهِ ".<تاريخ "دمشق"(44/30), أسد الغابة(317/3)ط دار إحياء التراث, السيرة النبوية ابن كثير(433/1)>.
فكل كان له كبوة, تردد أخذ وإعطاء, وبيان وتفصيل, إلا ما كان من أبي بكر, مجرد أن أخبر بأن النبي صلى الله عليه وسلم أوحي إليه, صدَّق ومن ثم سمي بالصديق رضي الله عنه, أبو بكر عاش عمره كله, بنفسه وماله وآل بيته لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم, والمواقف كثيرة, تنبئُ عن حال هذا الصديق, كيف عظمت محبته للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
كفاه فخرا أن النبي صلى الله عليه وسلم حينما أمر بالصدقة, وحث وحض عليها, وكان الموقف بالنسبة للمسلمين عصيب, وكان هذا قبل غزوة العسرة, فجاء أبو بكر بمال, فلما رآه النبي صلى الله عليه وسلم, قال: يا أبا بكر ما تركت لأهلك؟ فقال الصديق رضي الله عنه: تركت لهم الله ورسوله, هذا الصديق الذي حينما أغضبه عمر رضي الله عنه, فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - " هَلْ أَنْتُمْ تَارِكُو لِى صَاحِبِى هَلْ أَنْتُمْ تَارِكُو لِى صَاحِبِى إِنِّى قُلْتُ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّى رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا فَقُلْتُمْ كَذَبْتَ . وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ صَدَقْتَ ". <البخاري(4640)عَنْ أَبِى الدَّرْدَاءِ - رضى الله عنه>.
وفي رواية أخرى بلفظ " إِنَّ اللَّهَ بَعَثَنِى إِلَيْكُمْ فَقُلْتُمْ كَذَبْتَ . وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ صَدَقَ . وَوَاسَانِى بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ ، فَهَلْ أَنْتُمْ تَارِكُو لِى صَاحِبِى " . مَرَّتَيْنِ فَمَا أُوذِىَ بَعْدَهَا. <البخاري(3661 )عَنْ أَبِى الدَّرْدَاءِ - رضى الله عنه أيضا>.
وقَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- " مَا لأَحَدٍ عِنْدَنَا يَدٌ إِلاَّ وَقَدْ كَافَيْنَاهُ مَا خَلاَ أَبَا بَكْرٍ فَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا يَدًا يُكَافِئُهُ اللَّهُ بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمَا نَفَعَنِى مَالُ أَحَدٍ قَطُّ مَا نَفَعَنِى مَالُ". <الترمذي(3661) عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رضى الله عنه>.
في يوم الهجرة لما أُذن للنبي صلى الله عليه وسلم بالهجرة, طرق باب الصديق في ساعة لم يطرقها من قبل, حتى أحس الصديق بأمر عظيم, فخرج على رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال ما الأمر يا رسول الله؟ وفقَالَ: " أَشَعَرْتَ أَنَّهُ قَدْ أُذِنَ لِى فِى الْخُرُوجِ ". قَالَ الصُّحْبَةَ يَا رَسُولَ اللَّهِ . قَالَ " الصُّحْبَةَ ". <البخاري(2138 ) عَنْ عَائِشَةَ - رضى الله عنها >.
في وقت قد رصدت قريش, نذراً عظيماً لمن جاء بالنبي صلى الله عليه وسلم حيا أو ميتا, وعظمت أمر من قتله, فقال أبو بكر: الصحبة يا رسول الله, فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: الصحبة يا أبا بكر, نسي أبا بكر أباه, نسي زوجه, نسي أولاده, جمع كل ما في البيت وخرج مع رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم, وقد أعد راحلتين, حتى يسافر بهما مع النبي صلى الله عليه وسلم, حتى أن أبا قحافة, والد أبي بكر الصديق رضي الله عنه, يأتي إلى أسماء بنت الصديق فيقول لها: ما خلَّف أبا بكر؟ أظنه قد فجعكم بنفسه وبماله, فأسرعت أسماء بنت الصديق, أسرعت وجاءت بأحجار نقَّتها ونضدتها في كيس, وكان أبو قحافة رجلاً أعمى, فقالت: خلف لنا هذا المال فلما وضع يده عليه قال: إن كان خلف هذا فقد ترك خيرا كثيراً.
الصديق لما خرج مع النبي صلي الله عليه وسلم, تارة يمشي قدامه, وتارة خلفه, وتارة عن يمينه, وتارة عن يساره, فيقول له النبي صلي الله عليه وسلم: ما لك يا أبا بكر؟ فيقول أبو بكر رضي الله عنه: يا رسول الله إن سرت قدامك أخشى الطلب, وإن سرت خلفك أخشى أن تُؤتى من قِبَلك, وإن سرت عن يمينك أو يسارك أخشى أن تؤتى من أي مكان, فكان يطوف ويحوم حول النبي صلي الله عليه وسلم {ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ}. [التوبة/40].
تخيل حال أبي بكر لما سمع أقدام المشركين فوق الغار, فقال: يا رسول الله لو نظر أحدهم أسفل قدميه لرَآنَا, قلب الصديق تعلق بالنبي صلي الله عليه وسلم أي تعلق, ولم يكن هذا التعلق مجرد محبة ووقوف عند المحبة, لا.
إن المحب يُشَاكِل من أحب, بل لا تراه مخالفاً له قط, هذا في أمر الدنيا, فكيف بمن أحب النبي صلي الله عليه وسلم وزعم وادعى أنه له محب؟!!
الصديق رضي الله عنه سابق الصحابة جميعا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم, وما سبقه إليه أحد قط, لما خرج النبي صلى الله عليه وسلم ليصلح بين أقوام, فتأخر عن صلاة الظهر, فقال بلال: يا أبا بكر إن النبي صلى الله عليه وسلم تأخر, فهل تصلي بالناس, قال: إن شئت فعلت, فأقام بلال الصلاة, وصلى أبو بكر رضي الله عنه, فإذا بالنبي صلى الله عليه وسلم يقدم والصديق في الركعة الأولى, فلما رآه الصحابة أخذوا في التصفيق, وكان الصديق لا يلتفت, فلما أكثروا التفت الصديق, فإذا بالنبي صلى الله عليه وسلم شق الصفوف, وصلى خلفه, فأراد الصديق أن يرجع إلى الخلف, فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: مكانك أي الزم مكانك وكن إماماً يا صديق, يا أبا بكر. فرفع الصديق يديّه إلى السماء حامدا الله عز وجل, أن رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاه, فبعد ذلك رجع وتقدم النبي صلى الله عليه وسلم فصلى بالناس, فلما فرغ النبي صلى الله عليه وسلم قال: للصديق يا أبا بكر ما حملك بعد أن أشرت إليك ألا تقف في مكانك, فقال أبو بكر: ما كان لابن أبي قحافة أن يتقدم بين يدي رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم, هذا حال الصديق وهو يترجم محبته للنبي صلي الله عليه وعلى آله وسلم.
عمر رضي الله عنه كيف ترجم هذه المحبة؟ كيف كان عمر يحب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم؟ أحبه حباً عظيماً, لدرجة أنه كان بخاطره أن يسبق أبا بكر, ولو مرة في محبة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم, ولكنه عجز.
مرض النبي صلى الله عليه وسلم في يوم الخميس, قبل يوم الإثنين الذي مات فيه النبي صلى الله عليه وسلم, وكان قبلها بيوم أو يومين عاد من البقيع, وعاد مجهدا, فوجد عائشة رضي الله عنها تقول: وَا رَأْسَاهْ, فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم بل أنا وَا رَأْسَاهْ, أحس بألم بعد عودته, وهو داخل على زوجه صلى الله عليه وعلى آله وسلم, فلما رآها تشتكي, أنساها أمر نفسه, قَالَتْ: عَائِشَةُ وَارَأْسَاهْ . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - " ذَاكِ لَوْ كَانَ وَأَنَا حَىٌّ ، فَأَسْتَغْفِرُ لَكِ وَأَدْعُو لَكِ " . فَقَالَتْ عَائِشَةُ وَاثُكْلِيَاهْ ، وَاللَّهِ إِنِّى لأَظُنُّكَ تُحِبُّ مَوْتِى ، وَلَوْ كَانَ ذَاكَ لَظَلِلْتَ آخِرَ يَوْمِكَ مُعَرِّسًا بِبَعْضِ أَزْوَاجِكَ ". <البخاري(5666)>.
فابتسم النبي صلى الله عليه وسلم, بأبي هو وأمي, وهو يخفي آلامه, وما فيه من ألم عظيم شديد, اشتد الألم, واشتد الوجع, حتى عظم في يوم الخميس, فإذا بالصحابة يدخلون على النبي صلى الله عليه وسلم يعودوه, وقد أذن للصلاة, فخرج النبي صلى الله عليه وسلم, ثم فوجد به خفة فصلى بالناس, ثم عظم المرض واشتد, فصلى في بيته, حتى كان في يوم الجمعة, والصحابة كلهم يتحدثون, وكلهم خائفون, إن النبي صلى الله عليه وسلم في مرض عظيم, فلما كان في يوم الجمعة, أمر النبي صلى الله عليه وسلم نسائه أن يجهزن سبع قرب, لم تفك أوكيتها, بها ماء ثم قال: صبوا على رأسي, فصبوا على رأسه صلى الله عليه وعلى آله وسلم سبع قرب, فوجد في نفسه خفة, وكان هذا قبل صلاة الجمعة, فوجد في نفسه نشاطاً, فخرج صلى الله عليه وعلى آله وسلم فخطب في الناس, وذكرهم بالله عز وجل.
جَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَقَالَ " إِنَّ عَبْدًا خَيَّرَهُ اللَّهُ بَيْنَ أَنْ يُؤْتِيَهُ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا مَا شَاءَ ، وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ ، فَاخْتَارَ مَا عِنْدَهُ ". فَبَكَى أَبُو بَكْرٍ وَقَالَ فَدَيْنَاكَ بِآبَائِنَا وَأُمَّهَاتِنَا . فَعَجِبْنَا لَهُ ، وَقَالَ النَّاسُ انْظُرُوا إِلَى هَذَا الشَّيْخِ ، يُخْبِرُ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - عَنْ عَبْدٍ خَيَّرَهُ اللَّهُ بَيْنَ أَنْ يُؤْتِيَهُ مِنْ زَهْرَةِ الدُّنْيَا وَبَيْنَ مَا عِنْدَهُ وَهْوَ يَقُولُ فَدَيْنَاكَ بِآبَائِنَا وَأُمَّهَاتِنَا . فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - هُوَ الْمُخَيَّرَ ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ هُوَ أَعْلَمَنَا بِهِ .<البخاري(3904), ومسلم(2382) عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ رضى الله عنه>.
حتى قال أبو سعيد الخدري رضي الله عنه: ما لهذا الرجل؟ يبكي والنبي صلى الله عليه وسلم يذكر قصة رجل خيره الله عز وجل بين الدنيا وبين ما عند الله, فكان المخير هو رسول الله صلى الله عليه وسلم, نزل وكان فيه نشاط, ثم بدأ يخرج بعض الصلوات أحيانا, ويتأخر أحيانا, حتى كان في ليلة يوم الإثنين, زاد نشاطه, فخرج وصلى بالناس, وأمن الصحابة جميعا, أن النبي صلى الله عليه وسلم بخير, فلما كان في يوم الإثنين عظم واشتد الألم على النبي صلى الله عليه وسلم, وكان قبلها بليلة يقول: أين أنا غدا؟ أين أنا غدا؟ فأذن نسائه صلى الله عليه وعلى آله وسلم أن يمرض في يوم الإثنين عند عائشة رضي الله عنها, ثم بعد ذلك عظم المرض واشتد, فإذا بعائشة رضي الله عنها تضع النبي صلى الله عليه وسلم بين سحرها ونحرها, ولم تخبر أحدا قط, فإذا المرض قد اشتد بالنبي صلى الله عليه وسلم, وهو يرفع أصبعه إلى السماء, ويشير ويقول إلى الرفيق الأعلى, إلى الرفيق الأعلى, حتى سقطت يده, فآذنت بعض الصحابة, فأسرع عمر رضي الله عنه ومعه المغيرة بن شعبة, فلما دخلا على النبي صلى الله عليه وسلم, نظر عمر إلى النبي, فرآه في حالة عجيبة, فصرخ وقال: واغشياه قد أغشي على رسول الله صلى الله عليه وسلم, فقال له المغيرة رضي الله عنه: اسكت يا عمر, فقد مات رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم, هنا صاح عمر وقال: اسكت والله إنك صاحب فتنة, والله ما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم, ولن يموت حتى يقتل الله المنافقين, ولا يبقي منهم أحدا, خرج عمر, وأسرعت عائشة رضي الله عنها لأبيها, وكان الصديق آمناً, ما ظن أن يموت النبي صلى الله عليه وسلم في هذا اليوم قط, وكان بيته بالعوالي في أعالي المدينة, فأسرع الصديق وعمر خرج وقد أصابه حالة من الذهول, كيف والمغيرة يقول: قد مات, وعمر ما صدق أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد مات, فخرج عمر وقال: يزعم أقوام أن رسول الله مات, والله ما مات, ولن يموت حتى يُقتِّل أقواماً من المنافقين, وظل يصيح, أسرع الصديق فدخل على ابنته عائشة رضي الله عنها, فرأى الأمر ولكنه تمالك, فانكب عليه وبكى وقبله, وقال: طبت حياً وميتاً يا رسول الله, ثم خرج فوجد عمر يتكلم بكلام هذيان, فأسكته فلم يسكت, جبذه فلم ينجذب, فتنحى عنه ثم قال: من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات, ومن كان يعبد الله عز وجل, فإن الله حي لا يموت, فتفرق الناس, وما ظنوا أنهم سمعوها من قبل.<السيرة النبوية لابن كثير(480/479/4), سيرة ابن هشام(655/2) بتصريف>.
لقد عظمت محبة النبي صلى الله عليه وسلم, في حياته وبعد موته, سئل علي بن أبي طالب رضي الله عنه كيف كان حبكم لرسول الله صلي الله عليه وسلم؟ قال كان والله أحب إلينا من أموالنا وأولادنا وآبائنا وأمهاتنا ومن الماء البارد على الظمأ. <الشفاء بتعريف حقوق المصطفى(2 / 22) للقاضي عياض>.
لقد عظمت محبة النبي صلى الله عليه وسلم في نفوس هؤلاء, امْرَأَةِ مِنْ بَنِي دِينَارٍ, وكان هذا في غزوة أحد، وَقَدْ أُصِيبَ زَوْجُهَا وَأَخُوهَا وَأَبُوهَا مَعَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِأُحُدِ فَلَمّا نُعُوا لَهَا، قَالَتْ فَمَا فَعَلَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ؟ قَالُوا: خَيْرًا يَا أُمّ فُلَانٍ هُوَ بِحَمْدِ اللّهِ كَمَا تُحِبّينَ قَالَتْ: أَرُونِيهِ حَتّى أَنْظُرَ إلَيْهِ - امرأة مات أبوها وأخوها وزوجها وهي لا تفكر إلا في رسول الله صلي الله عليه وسلم- قَالُوا: خَيْرًا يَا أُمّ فُلَانٍ هُوَ بِحَمْدِ اللّهِ كَمَا تُحِبّينَ قَالَتْ: أَرُونِيهِ حَتّى أَنْظُرَ إلَيْهِ قَالَ فَأُشِيرَ لَهَا إلَيْهِ حَتّى إذَا . رَأَتْهُ قَالَتْ كُلّ مُصِيبَةٍ بَعْدَك جَلَلٌ تُرِيدُ صَغِيرَةً . <سيرة ابن هشام(99/2), والروض الأنف(285/3)>.
كل أمر دونك فهو دون هذا. امرأة..
أيها الحبيب, أين مكانة نبيك عندك؟ أين مكانة نبيك عندك؟ فتش في قلبك, كم لمن تدعي محبته أنك تحبه.
بلال رضي الله عنه بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم بفريضة واحدة, صعد ليؤذن, فلما بلغ أشهد أن محمدا رسول الله ما أتمها, ولا أكملها مما غلبه من البكاء, فعل هذا في الفريضة التالية, فعجز أن ينطق أشهد أن محمدا رسول الله, فسافر إلى الشام وتغيب عن المدينة, فلما عاد في زمن عمر, أمره عمر أن يؤذن, فصعد بلال فأذن, فلما وصل إلى قول أشهد أن محمدا رسول الله, ما استطاع أن يتمها, حتى بكى بلال, وهيج أهل المدينة بالبكاء, لذكر رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم, بلال رضي الله عنه وهو على فراش الموت, وكذلك عمار, وكذلك حذيفة, وكذلك جملة من الأصحاب, كانوا في سكرات الموت, وهم يقولون: غدا نلقى الأحبة, محمداً صلى الله عليه وسلم وصحبه.
لما دفن النبي صلى الله عليه وسلم قالت عائشة رضي الله عنها: فوجئنا بطرق في غرفتي, والنبي صلى الله عليه وسلم تأخر دفنه إلى اليوم التالي, حتى تتم بيعة الصديق رضي الله عنه, فدفن من الليل, فلما خرج أنس, وقد باشر مع الأصحاب دفن النبي صلى الله عليه وسلم, وقد علمت فاطمة بالخبر, فوقفت داخل الباب فنادت يا أنس, أطابت نفوسكم أن تدفنوا رسول الله صلى الله عليه وسلم, وأن تضعوا عليه التراب, فقال أنس رضي الله عنه: والله ما طابت ولن تطيب يا بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم, ولكنه أمر الله عز وجل, وليس من أمر الله محيص.
أيها المحب كلنا يدعي المحبة, ولكن هل صدقنا؟ حينما يقول النبي صلى الله عليه وسلم لجملة من الأصحاب "مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ صَائِمًا ". قَالَ أَبُو بَكْرٍ رضى الله عنه أَنَا. قَالَ " فَمَنْ تَبِعَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ جَنَازَةً ". قَالَ أَبُو بَكْرٍ رضى الله عنه أَنَا. قَالَ " فَمَنْ أَطْعَمَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ مِسْكِينًا ". قَالَ أَبُو بَكْرٍ رضى الله عنه أَنَا. قَالَ " فَمَنْ عَادَ مِنْكُمُ الْيَوْمَ مَرِيضًا ". قَالَ أَبُو بَكْرٍ رضى الله عنه أَنَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- " مَا اجْتَمَعْنَ فِى امْرِئٍ إِلاَّ دَخَلَ الْجَنَّةَ ". <مسلم( 1028)عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ >
أين نحن من ادعاء محبة النبي صلى الله عليه وسلم؟ وقد دخل عليه رجل وكان هذا الرجل من لخم, ومعه ولده, فلما دخل فك أزرار النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم, كأنه يريد أن يرى شيئا, فتركه النبي صلى الله عليه وسلم, فأدخل الرجل يده حتى نظر في كتف النبي صلى الله عليه وسلم, فرأى فيه خاتم النبوة, فقال أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنك رسول الله, قال راوي الحديث: فما أزر الرجل أزراره بعد أن فك أزرار رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى مات. عودوا إلى ربكم واستغفروه ..........
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين, والعاقبة للمتقين, ولا عدوان إلا على الظالمين, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمد عبده ورسوله.
لقد يُسر للنبي صلى الله عليه وسلم, ما لم ييسر لأحد من قبله من البشر, فهو رسول الله صلى الله عليه وسلم, يشير بيده أمام قريش إلى القمر, فينفلق إلى فلقتين, فلقة على هذا الجبل, وفلقة على هذا الجبل, حتى قال: بعض كفار قريش سحرنا محمد, فلما ذهبوا ونظروا, وجدوا القمر ليلته هذه قد انفلق, وما عاد إلا عند الصباح, وذلك لبيان دلالة نبوته أمام هؤلاء.
وفي يوم قد اشتد المطر ودخل داخل فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، تَهَدَّمَ الْبِنَاءُ وَغَرِقَ الْمَالُ، فَادْعُ اللَّهَ لَنَا. فَرَفَعَ يَدَيْهِ، فَقَالَ "اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا، وَلاَ عَلَيْنَا"
. فَمَا يُشِيرُ بِيَدِهِ إِلَى نَاحِيَةٍ مِنَ السَّحَابِ إِلاَّ انْفَرَجَتْ". <البخاري(933), مسلم(897) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ>.
ولما جيء له بالمنبر, وكان يخطب على جذع, فلما صعد على المنبر, حن الجذع واهتز, حتى كأنه عشار في مخاض, حن حنين العشار, حتى نزل النبي صلى الله عليه وسلم وصوت الجذع يرتفع, فضمه إلى صدره حتى سكن. <زاد المعاد(411/1)>.
النبي صلى الله عليه وسلم لما كان يوم غزوة تبوك أصاب الناس مجاعة، فقالوا: يا رسول الله لو أذنت لنا فننحر نواضحنا فأكلنا وادهنا ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " افعلوا ".
فجاء عمر فقال: يا رسول الله إن فعلت قل الظهر، ولكن ادعهم بفضل أزوادهم وادع الله لهم فيها بالبركة، لعل الله أن يجعل فيها البركة.
فقال رسول الله: نعم.
فدعا بنطع فبسطه ثم دعا بفضل أزوادهم، فجعل الرجل يجئ بكف ذرة ويجئ الآخر بكف من التمر ويجئ الآخر بكسرة، حتى اجتمع على النطع من ذلك شئ يسير، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالبركة ثم قال لهم: " خذوا في أوعيتكم " فأخذوا في أوعيتهم حتى ما تركوا في العسكر وعاء إلا ملوه وأكلوا حتى شبعوا وفضلت فضلة, فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " أشهد أن لا إله إلا الله وأنى رسول الله، لا يلقى الله بها عبد غير شاك فيحجب عن الجنة " <السيرة النبوية ابن كثير(17/4), وأصل الحديث في البخاري(2484) عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ رضي الله عنه>.
أيها الأحباب, إن هذا الجيل الذي أحب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم حباً عظيماً, هو الذي نقل لنا سنته, وحافظ عليها وأوصلها إلينا, وكأن النبي صلى الله عليه وسلم يعيش بين أظهرنا, أين ما ندعي من محبة النبي صلى الله عليه وسلم؟ وبيننا وبين السنة مفاوز, أين نحن من هدي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم, أين نحن من حفظ سنة النبي صلى الله عليه وسلم, ربما نرى الرجل التافه, الذي يتكلم بالكلام التافه يُحَب, فنرى أن حركاته وسكناته تقلد, عند الكبير وعند الصغير.
يا أمة محمد, والله لا نجاة لنا, ولا فلاح لنا, إلا بطاعة رسول الله صلى الله عليه وسلم واتباعه, كما قال عز وجل: {وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا}. [النور/54].
قال سبحانه تعالى:{قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ}. [آل عمران/31].
إن الصحابة رضي الله عنهم ضربوا أعظم المثل في الاتباع, لما استقرت القلوب, وعلموا أن باب الجنة لن يفتح إلا من خلال محمد صلى الله عليه وسلم, تابعوه واتبعوه, فكان إذا أمر أطاعوه, بل وصل الأمر إلى التأسي به, كما قال عز وجل: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ}. [الأحزاب/21].
بمعنى أنك إن قلدت نبيك صلى الله عليه وسلم في القليل والكثير, فأنت على هدي, أسوة حسنة.
أيها الأحباب هذا أنس رضي الله عنه كما في الصحيح, يصور لنا موقفاً يعبر به عن محبته لرسول الله صلى الله عليه وسلم, "قَالَ: دَخَلْتُ مَعَ النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - عَلَى غُلاَمٍ لَهُ خَيَّاطٍ ، فَقَدَّمَ إِلَيْهِ قَصْعَةً فِيهَا ثَرِيدٌ, قَالَ: وَأَقْبَلَ عَلَى عَمَلِهِ, قَالَ: فَجَعَلَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - يَتَتَبَّعُ الدُّبَّاءَ, قَالَ: فَجَعَلْتُ أَتَتَبَّعُهُ فَأَضَعُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ, قَالَ: فَمَا زِلْتُ بَعْدُ أُحِبُّ الدُّبَّاءَ". <البخاري(5420)عَنْ أَنَسٍ - رضى الله عنه>.
كان ينزل الأمر من عند الله عز وجل, يبلغه النبي صلى الله عليه وسلم, فيتقبله الصحابة بلا تردد, ما في تردد, ولا مناقشة, ولا لما ولا كيف, يقول أنس كما في الصحيح أيضا قال: "كُنْتُ سَاقِىَ الْقَوْمِ فِى مَنْزِلِ أَبِى طَلْحَةَ ، وَكَانَ خَمْرُهُمْ يَوْمَئِذٍ الْفَضِيخَ،-والخمر كانت للعرب كالماء بل أعظم من الماء- فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - مُنَادِيًا يُنَادِى " أَلاَ إِنَّ الْخَمْرَ قَدْ حُرِّمَتْ " . قَالَ فَقَالَ لِى أَبُو طَلْحَةَ اخْرُجْ فَأَهْرِقْهَا، فَخَرَجْتُ فَهَرَقْتُهَا، فَجَرَتْ فِى سِكَكِ الْمَدِينَةِ". <البخاري(2464), مسلم(1980) عَنْ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ - رضى الله عنه>.
ليس بيت أبي طلحة فحسب, بل شوارع المدينة جميعها قد عجت بالخمر. المحبة سمع وطاعة, لا تغزل ولا تنشد, ولا تندر في المجالس, أحب رسول الله صلى الله عليه وسلم, ثم ترى العمل مخالف تماماً, لما كان عليه أدنى أدنى أدنى صحابي, كانوا يطيعوه فيما يحبون, وفيما يكرهون, بل طوعوا أنفسهم لأمر الله عز وجل, فلم يكن في نفوسهم إلا الحب فقط, فأطاعوه في القليل وفي الكثير.
رجل وكان هذا الرجل من فقراء المدينة,دميماً, وكان يجالس النبي صلى الله عليه وسلم, فقال يا رسول الله أقرأ في القرآن, أن من عمل صالحا دخل الجنة, وأن في الجنة من الحور العين كذا وكذا, ولكن نفسي تتوق إلى أن تزوج امرأة في الدنيا, وكان دميم الصورة.
فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِرَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ: زَوِّجْنِي ابْنَتَكَ. فَقَالَ : نِعِمَّ وَكَرَامَةٌ يَا رَسُولَ اللهِ وَنُعْمَ عَيْنِي . قَالَ: إِنِّي لَسْتُ أُرِيدُهَا لِنَفْسِي. قَالَ: فَلِمَنْ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: لِجُلَيْبِيبٍ: قَالَ: فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أُشَاوِرُ أُمَّهَا فَأَتَى أُمَّهَا فَقَالَ: رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ ابْنَتَكِ. فَقَالَتْ: نِعِمَّ. وَنُعْمَةُ عَيْنِي. فَقَال: إِنَّهُ لَيْسَ يَخْطُبُهَا لِنَفْسِهِ إِنَّمَا يَخْطُبُهَا لِجُلَيْبِيبٍ. فَقَالَتْ: أَجُلَيْبِيبٌ إنية؟ أَجُلَيْبِيبٌ إنية؟ أَجُلَيْبِيبٌ إنية؟ لاَ. لَعَمْرُ اللهِ لاَ نُزَوَّجُهُ. فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَقُومَ لِيَأْتِيَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيُخْبِرَهُ بِمَا قَالَتْ أُمُّهَا: قَالَتِ الْجَارِيَةُ: مَنْ خَطَبَنِي إِلَيْكُمْ؟ فَأَخْبَرَتْهَا أُمُّهَا فَقَالَتْ: أَتَرُدُّونَ عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمْرَهُ؟ ادْفَعُونِي؛ فَإِنَّهُ لَمْ يُضَيِّعْنِي. فَانْطَلَقَ أَبُوهَا إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرَهُ فَقَالَ : شَأْنَكَ بِهَا فَزَوَّجَهَا جُلَيْبِيبًا.....قَالَ ثَابِتٌ : فَمَا كَانَ فِي الأَنْصَارِ أَيِّمٌ أَنْفَقَ مِنْهَا . وَحَدَّثَ إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ثَابِتًا قَالَ : هَلْ تَعْلَمْ مَا دَعَا لَهَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قَالَ : اللَّهُمَّ صُبَّ عَلَيْهَا الْخَيْرَ صَبًّا ، وَلاَ تَجْعَلْ عَيْشَهَا كَدًّا كَدًّا ، قَالَ فَمَا كَانَ فِي الأَنْصَارِ أَيِّمٌ أَنْفَقَ مِنْهَا. < أحمد"مسند"(422/4) عَنْ أَبِي بَرْزَةَ الأَسْلَمِيِّ >.
{وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ}. [الأحزاب/36].
عباد الله هذا غيض من فيض, وهذا حال الأصحاب, الذين تابعوا النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم, في العسر واليسر, بل موقف أخير.
وقع لجملة من شباب الأنصار, لَمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ - صلى الله عليه وسلم - يَوْمَ حُنَيْنٍ قَسَمَ فِى النَّاسِ فِى الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ - قسمها في مشيخة قريش, في الكبار الذين تألفهم على الإسلام- [أعطى أبا سفيان ، وعيينة ، والأقرع ، وسهيل بن عمرو, وقال حماد بن سلمة : أعطى مئة من الإبل يسمي كل واحد من هؤلاء]- وَلَمْ يُعْطِ الأَنْصَارَ شَيْئًا ، فَكَأَنَّهُمْ وَجَدُوا إِذْ لَمْ يُصِبْهُمْ مَا أَصَابَ النَّاسَ, [فقالت الأنصار : يا رسول الله ، سيوفنا تقطر من دمائهم ، وهم يذهبون بالمغنم ، فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم ، فجمعهم في قبة ]- فَخَطَبَهُمْ فَقَالَ " يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ أَلَمْ أَجِدْكُمْ ضُلاَّلاً فَهَدَاكُمُ اللَّهُ بِى ، وَكُنْتُمْ مُتَفَرِّقِينَ فَأَلَّفَكُمُ اللَّهُ بِى وَعَالَةً ، فَأَغْنَاكُمُ اللَّهُ بِى " . كُلَّمَا قَالَ شَيْئًا قَالُوا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمَنُّ . قَالَ " مَا يَمْنَعُكُمْ أَنْ تُجِيبُوا رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - " . قَالَ كُلَّمَا قَالَ شَيْئًا قَالُوا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمَنُّ . قَالَ " لَوْ شِئْتُمْ قُلْتُمْ جِئْتَنَا كَذَا وَكَذَا . أَتَرْضَوْنَ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ بِالشَّاةِ وَالْبَعِيرِ ، وَتَذْهَبُونَ بِالنَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم - إِلَى رِحَالِكُمْ ، لَوْلاَ الْهِجْرَةُ لَكُنْتُ امْرَأً مِنَ الأَنْصَارِ ، وَلَوْ سَلَكَ النَّاسُ وَادِيًا وَشِعْبًا لَسَلَكْتُ وَادِىَ الأَنْصَارِ وَشِعْبَهَا ، الأَنْصَارُ شِعَارٌ وَالنَّاسُ دِثَارٌ ، إِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ بَعْدِى أَثَرَةً فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِى عَلَى الْحَوْضِ " . <البخاري(4330) عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ رضي الله عنه, وما بين المعكوفين[ــ] مدرج من رواية أحمد"مسند"(246/3) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه>.
أيها أحب إليك, أن تكون متبعاً لسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم, ضَامَّا سنته إلى قلبك, أم أن الدنيا تحت يدك, وأنت مشغول عن سنة نبيك صلى الله عليه وسلم,
فلنفق أيها الأحباب, كلنا يتغنى, نتغنى بمتابعة رسول الله صلى الله عليه وسلم, وبيننا وبينم المتابعة مفاوز, لا يغرنَّك ثوب حسن, ولحية جميلة, وصورة حسنة,لا.
قلب في سنة نبيك صلى الله عليه وسلم, كيف أقامها أصحابه؟ حتى أن الله عز وجل قال لهم جميعا. {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ}.
[آل عمران/110].
حتى قال عز وجل بعد والتمام والكمال. {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا}. [المائدة/3].
حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع لكل أصحابه فعدلهم جميعاً, وقال لهم: « خُذُوا عَنِّى مَنَاسِكَكُمْ فَإِنِّى لاَ أَدْرِى لَعَلِّى أَنْ لاَ أَحُجَّ بَعْدَ حَجَّتِى هَذِهِ ». < مسلم (1297), أحمد "مسند"(318/3) كلهما عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رضي الله عنه, واللفظ لأحمد>.
فكلهم علماء, وكلهم مبلغ عن النبي صلى الله عليه وسلم, خذوا عني مناسككم, لعلي لا أحج بعد عامي هذا, فأعطاهم الأمان, ثم انطلق صلى الله عليه وسلم إلى ربه.
أيها المحب قلب في صفحات قلبك, وقف عند موطن المحبة, أيهما تحب نفسك أم رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ زوجك أم رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ مالك أم رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قلب وراجع نفسك حتى لا تأتي يوم القيامة,وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم " إِنَّ مِنْ أَصْحَابِي مَنْ لاَ يَرَانِي بَعْدَ أَنْ أُفَارِقَهُ فَأَتَيْتُ عُمَرَ فَأَخْبَرْتُهُ، فَأَتَاهَا ، فَقَالَ: بِاللَّهِ أَنَا مِنْهُمْ؟ قَالَتْ: اللَّهُمَّ لاَ, وَلَنْ أُبَرِّئَ أَحَدًا بَعْدَكَ." <أحمد "مسند"(6/317)عن عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ رضي الله عنه>.
احذر ألا ترى رسول الله صلى الله عليه وسلم قط,
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " أَنَا فَرَطُكُمْ عَلَى الْحَوْضِ ثُمَّ قَالَ لَيُذَادَنَّ رِجَالٌ عَنْ حَوْضِي كَمَا يُذَادُ الْبَعِيرُ الضَّالُّ فَأُنَادِيهِمْ أَلَا هَلُمُّوا فَيُقَالُ إِنَّهُمْ قَدْ بَدَّلُوا بَعْدَكَ وَلَمْ يَزَالُوا يَرْجِعُونَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ فَأَقُولُ أَلَا سُحْقًا سُحْقًا" < أخرجه البخاري, ومسلم عن عبد الله بن مسعود وسهل بن سعد رضي الله عنهما, بلفظ أخر, وأخرجه بن ماجة(4306) عن أبي هريرة واللفظ له>.
هل أنت موافق للسنة أم مخالف "إفَيُقَالُ إِنَّهُمْ قَدْ بَدَّلُوا بَعْدَكَ" ما زالوا على القهقرى, ما زالوا في رجوع عن السنة, ما زالوا على القهقرى, فيقول النبي صلى الله عليه وسلم: "فَأَقُولُ أَلَا سُحْقًا سُحْقًا"
نسأل الله العظيم, رب العرش الكريم, أن يبلغنا سنته, اللهم بلغنا سنته, اللهم أحينا عليها, وأمتنا عليها, اللهم اجعلنا من أتباع محمد صلى الله عليه وسلم, اللهم حبب إلينا الإيمان, وزينه في قلوبنا, وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان, اللهم إنا نسألك الجنة, وما يقرب إليها من قول او عمل, ونعوذ بك من النار, وما يقرب إليها من قول أوعمل, اللهم إنا نسألك أمر رشد, يعز فيه أهل طاعتك, ويذل فيه أهل معصيتك, ويؤمر فيه بالمعروف, وينهى فيه عن المنكر, واجعلنا ربنا من الهداة الرشدين.................وأقم الصلاة

تقبل الله من شيخنا وبارك فيه وانفع به.. آمين آمين
  #2  
قديم 01-21-2011, 09:49 AM
المحدث المحدث غير متواجد حالياً
المدير التنفيذي
 
تاريخ التسجيل: Sep 2007
المشاركات: 140
افتراضي

جزاكم الله خيرا
موضوع مغلق


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
طرق عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع كتابة مواضيع جديدة
لا تستطيع كتابة ردود جديدة
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

رمز [IMG] متاحة
رمز HTML معطلة
الانتقال السريع إلى

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
سلسلة شرح ( ألفية العراقى ) للمحدث / صلاح الدين على بن عبد الموجود ( حفظه الله ) السيد الخباز قســم المرئيـــات 42 03-16-2012 03:55 PM
مناسك الحج لفضيلة المحدث / صلاح الدين على بن عبد الموجود ( حفظه الله ) السيد الخباز قســم المرئيـــات 1 11-14-2010 06:25 AM
( الصِّدّيق الأول ) للشيخ المحدث / صلاح الدين بن على بن عبد الموجود ( حفظه الله ) السيد الخباز قســم المرئيـــات 1 11-14-2010 06:23 AM
( الخبيئة ) خطبة لفضيلة الشيخ / صلاح الدين على بن عبد الموجود ( حفظه الله ) السيد الخباز قســم المرئيـــات 0 12-06-2009 05:46 PM
خطبة بعنوان ( أمة العطاء ) للمحدث / صلاح الدين بن على بن عبد الموجود ( حفظه الله ) السيد الخباز قســم المرئيـــات 0 11-28-2009 07:11 PM


الساعة الآن: 11:16 PM.


Powered by vBulletin V3.6.4. Copyright ©2000 - 2017,