صفحة جديدة 1 صفحة جديدة 1 صفحة جديدة 1 صفحة جديدة 5 صفحة جديدة 1
 

 

مقطع وثائقي أذاعته

قناة صفا الفضائية

للبحث في الملتقى بواسطة Google


العودة   ملتقى طلاب العلم > فضيلة الشيخ صلاح الدين علي عبد الموجود > قسم تفريغ الدروس
التسجيل الأسئلة الشائعة قائمة الأعضاء التقويم البحث مشاركات اليوم اجعل كافة المشاركات مقروءة

موضوع مغلق
 
أدوات الموضوع طرق عرض الموضوع
  #1  
قديم 01-23-2010, 02:20 PM
أبو عمر بن غالي أبو عمر بن غالي غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Feb 2009
المشاركات: 251
افتراضي خطبة صرخة ... وأين المجيب؟ الجمعة 7 من صفر 1431هـ لشيخنا صلاح الدين بن عبد الموجود..

بسم الله الرحمن الرحيم

صرخة ... وأين المجيب؟
إِنَّ الحَمْدَ للهِ؛ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلاَ مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلاَ هَادِيَ لهُ.
وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ -وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ-.
وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.
?يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ? [آل عمران:102].
?يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا? [النساء:1].
?يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا? [ الأحزاب:70-71].
أَمَّا بَعْدُ:
فَإِنَّ أَصْدَقَ الحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ تعَالَى، وَخيرَ الهَدْيِ<الهَدْي: السيرة والهيئة والطريقة.> هَدْيُ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، وَشَرَّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلاَلَة.
أما بعد: عباد الله.
الذي ينظر لأمر الدنيايرى عجباً, يرى أنها لا تدوم لحال, تتقلب على الغني والفقير, على التقي والشقي, على البر والفاجر, لا يدوم لها حال, ربما في اليوم الواحد تتقلب على العبد, وربما من عظيم سكرتها وشدة غفلتها لا نشعر بها إلا عند سكرة الموت, ولذلك يجب على العبد أن يعقل عن الدنيا, وأن يعقل عن هذا العمر,الذي هو أعظم أيامه, وأشدها على الإطلاق, فلا حل البتة لمن خرج من الدنيا ولم يعقل عنها, لما خلق؟ لما أعطاه الله عز وجل وساق له النعم؟ ولما سلب الله عز وجل منه النعم؟ لما كلفه الله عز وجل ولم يكلف غيره؟ وقل في نفسك لما لما؟!! سترى تساؤلات, ولكن حجاب الغفلة الذي على القلوب, وخاصة في زمن الفتنة, وعند قلة المعين, وعند ضعف الصاحب, وعند نقص بل قلة الإيمان, ترى نفسك في حيرة, لا تدري ما هو المراد منك, وما هو المطلوب؟
فالدنيا دنية, ربها الذي خلقها ذمها, {وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُور}. [آل عمران/185].
قال عز وجل {اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (20)}. [الحديد/20]. ثم قال عز وجل {سَابِقُوا}.
هذه هي الدنيا كما وصفها من خلقها, فمن اعتقد فيها خلاف هذا, فقد جهل الحقيقة, وعلم خلاف ما ينبغي أن يعلم, ولذلك كان لزاماً على العبد أن يعلم وأن يعرف كيف يتعامل مع هذه الدار, التي سُكْنَاهُ فيها مؤقت, وعما قليل منها سيرحل, وأن الرحيل إلى سكنا فيها أبد الآباد, وخلود لا موت بعده, وإما نعيم وإما شقوة, إما جنة وإما نار, فمن ثم كان لزاماً على كل عاقل أن يضع لنفسه خطة, يسير بها في هذه الحياة, قبل أن يخرج منها, وأن يعرف لنفسه سبيل قبل أن ينتقل منها, ومن عظيم خطرها رغم أنها دنية, لما عرفها العقلاء, وأيقن بأمرها العلماء نبذوها, وجعلوها مرحلة بحلوها ومرها.
&&خرج مالك بن دينار ومعه صاحب, فكان في سفر طويل فعند الرجوع, قال الصاحب لمالك: يا إمام عطشت, فهل نشرب من هذه البئر؟ فقال له: لا ننتظر إلى البئر القابل, فجاء بئر قابل فقال: يا إمام نشرب من هذه البئر, قال القابل, حتى وصلا إلى البيت, فقال له مالك: الأن فاشرب, فشرب على ظمأ, بعد شدة عطش, فوجد للماء طعماً, بعد عناء وطول سفر, فقال: يا إمام ما استعذبت طعم الماء إلا الساعة, أي ما عرف أن للماء طعم حلو إلا الساعة, فقال له مالك: هكذا كن في الدنيا.
أيها الأحباب إن العقلاء جميعاً أدركوا أن الراحة لا تدرك بالراحة, يستحيل أن يقول شخص أني مستريح إلا بعد عناء, وبعد شدة تعب, فأدرك العقلاء جميعاً أدركوا أن الراحة لا تدرك بالراحة, فلابد من تعب حتى تنال الراحة, والدنيا لحظة ومرحلة, فإن أتعبت نفسك هذه اللحظات {قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ (112) قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ (113)}. [المؤمنون/113/112].
وهذا الخطاب لمن؟ لمن تنعم في الدنيا بكل لذيذة, ما تقلبت عليه الأيام بشر ظاهر قط, { قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ}.
ظلوا في علو من أمر الدنيا, وغفلة من أمر الآخرة حتى جاء مَنّجَلُ الحصَّاد, فخرج من الدنيا إلى النار, كم لبثتم في هذه الأرض في هذه الحياة من عمر من سنين؟ كان الجواب {قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ (113) قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (114)}. [المؤمنون114/113].
إذاً علمك بهذه المرحلة من أوجب الواجبات, ومن أشد أنواع الأُصول, لو جهلت كل شئ لا تجهل أمر دنياك, وكما ذكرت بأن الدنيا قُلَّب, يريك الله عز وجل من تفاهتها وحقارتها, كم تقلبت عليك الأيام من فرح وسرور؟ من غبطة وهناءة عيش, إلى العكس تماماً, كم ترى في صدرك من انشراح؟ ثم بعد ساعات يضيق الصدر, فترى صدرك ضيق حرجاً كأنما تصَّعد في السماء, لا تدوم لأحد ولا تستقر بهناءة عيش لأحد, حتى الأنبياء تعنَّوْ فيها وتعبوا, كم لقي نوح عليه السلام؟ كم لقي إبراهيم عليه السلام؟ كم لقي موسى وعيسى عليهما السلام؟ كم لقي نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم؟ أخرج مطروداً من بين أهله وعشيرته, هي الدنيا, ذاق فيها مر العيش, تقلبت عليه الشهور, بلا طعام ولا زاد, إلا حفن من شعير, ذاق فيها شدة بل شدائد, انتصر في بدر وهُزم في أحد, فر أصحابه في يوم حنين, خرج من الدنيا كما قالت عَائِشَةَ - رضي الله عنها - قَالَتْ: "تُوُفِّىَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَدِرْعُهُ مَرْهُونَةٌ عِنْدَ يَهُودِىٍّ بِثَلاَثِينَ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ". <البخاري (2916), النسائي (4651) عن عَائِشَةَ - رضى الله عنها>.
في ماذا؟ في حفن من شعير, من أجل الطعام, من أجل الإستمرار في هذه الحياة, "وَدِرْعُهُ مَرْهُونَةٌ عِنْدَ يَهُودِىٍّ بِثَلاَثِينَ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ" هذا أشرف الخلق, لاَقَى من الدنيا ما لاَقَى, فكيف بمن بعده؟! مصيبتنا آفتنا أننا ما عقلنا من أمر الدنيا إلا الظاهر, إلا لذة عاجلة, والذائذ كثيرة, ولكن لو تأمل العبد بعين العقل, لرأى فيها أن الفجائع أكثر, وأن المصائب أعم, وأن أعظم مصيبة, وأعظم بلية, أن لا ترى قلبك, أن يحال بينك وبين قلبك, ولذلك كما ابتلى بها الأنبياء كذلك الكفار, فليس الضيق على الأنبياء فقط, ولا على الصالحين, بل تقلبت على الكثير, ماذا فعل قارون؟ أوتي من الكنوز والأموال {مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّة}. [القصص/76].
مفاتيح الخزائن لا يقدر عليها العصابة من الناس, فكيف بالأموال؟!! فأخذ أخذ عزيز مقتدر, في لحظة انطفئ نجمه, وغابت شمسه, وجلجلت به الأرض كما قال عز وجل {فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ}. [القصص/81].
أين فرعون؟ أين هامان؟ أين كل متجبر وعاتي, كما ضاقت على الأنبياء ضاقت على غيرهم, فهي تتغزل معهم, بعض الوقت, ولكن سرعان ما تريهم الفاجعة, فمن عقل أمر الدنيا, وأعد لها عدته, وجمع لها أمره, وعرف قدرها ومنتهاها, كان منها على حذر, أدرك السبيل, وعلم أن أغلى ما يملك في هذه الحياة هو القلب, وأن القلب إن لم يكن مع الله عز وجل وشَتَّتَتّْهُ هذه الغانية, هذه الغاوية هلك, إذا لآبد أن تضع العقل مع كل جارحة فيك, مع تهيئة النفس في إصلاح القلب, وفي علاج هذا القلب, وكيف يسير قلبك إلى ربك؟ فهل جلست مع نفسك مجلساً تبحث فيه عن القلب؟ وتُسائل نفسك هل وجدت قلبي؟ هل وجدت قلبك؟ سؤال لآبد أن تسأله أين القلب؟ في أي وادٍ يهيم, مع من ينطلق؟ فيما وبما ينشغل؟ {يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ}. [الشعراء/88].
لو جمعت تِلادَ الأرض ذهباً -تلاد الشئ: زمامه- ولو ملكت الدنيا بحذافيرها, وقلبك معطل الهاوية, {يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (89)}. [الشعراء/89/88]. سالم
تُرى هل وجدت قلبك؟ قد تقول: نعم, ولكن اعرض على قلبك بعض ما يدور في هذه الحياة, اختبر هذا القلب هل هو مع الله عز وجل, أم هو منشغل بغير الله؟.
ذكر الحافظ بن رجب قصة صاحب له, كان هذا الصاحب يحج كل عام ماشياً, كان يأتي من بلاد الشام أو من العراق يأتي ماشياً, إلى أن يصل بيت الله الحرام, وفي مرة جلس هذا الصاحب فنادته أمه تريد كوباً من الماء, فتثاقل الأمر, أمه يا فلان أعطني كوباً من الماء, فتلكأ وتثاقل, ففي لحظة بحث في نفسه لما هذا الثقل؟ رغم أني أحج كل عام ماشياً, فعلم أن في قلبه خلل, وأنه ما فعل هذا إلا بعد أن رأى في الحجة الأولى بعض المديح, وبعض الثناء, فإذا بالقلب مال إلى هذا فأحب هذا الأمر لتعجيل الأجر له في هذه الحياة, بينما لما كان أمر سُقْيَا أمه خفي ثقل على نفسه. <لطائف المعارف لابن رجب (1/236) ط دار ابن حزم – بتصريف قليل>.
فكان أرباب القلوب ينظرون في كل أعمالهم, ما الذي لله عز وجل؟ وما الذي لغير الله؟ فينقون الأعمال, لعلمهم أن الدنيا مزرعة, وأن الآخرة هي دار الحصاد, وأن بالآخرة الميزان للأعمال, {فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (8)}. [الزلزلة/8/7].
لا يغرنك من نفسك أن يقال أنت فلان, أو أن ترى بعض المديح وبعض الثناء, أنت أعلم بنفسك من غيرك, فأوقف القلب على كل أمر وعند كل نهي, هل هذا الأمر الذي تأديه لله؟ الجواب نعم, إذا لآبد أن أعقد لقلبي اختباراً, أعرض عليه بعض الأعمال, مما لا حظ للنفس فيها, ولا رؤيا لأحد لها, اعقل هذا جيداً حتىتكن صادقاً, وحتى تخرج من الدنيا ومعك رصيد,إذ لا ينفعك مال ولا ولد إلا بسلامة القلب, {يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (89)}. [الشعراء/89/88].
فعرِّض على قلبك أعمالاً, طاعات لا حظ لنفسك فيها, بل ربما تستثقلها النفس, إن أديتها فهنئاً لك, ما رَآهَا أحد, كم تقوم من الليل؟ دع عنك الفريضة
بعض الأفاضل قال: كنت إن تخلفت عن فريضة في مسجد قومي, أشعر بانكسار وبذلة نفس وبضيق صدر, فكنت أري أن هذا من صلاح حالي.
قال: فسافرت مرة وجلست بمكان فإذا بالمؤذن يؤذن بالصلاة.
قال: فتلكأت وتلكأت حتي أقيمت الصلاة, وفرغوا من الصلاة ثم أفقت, لما تألمت عند تخلفي في مسجد قومي؟ ولما كان الأمر عادياً بل تغافلت في مسجد لا يعرفني فيه أحد؟ فعلم من أين يؤتى, علم أن في القلب خبيئة من سوء.
فتش في قلبك, انظر لا يغرنك ما يقول الناس, اجمع قلبك ولذلك كان من أجل العبادات, ومن أعظم الطاعات, من السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله, « سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ اللَّهُ فِى ظِلِّهِ يَوْمَ لاَ ظِلَّ إِلاَّ ظِلُّهُ .... وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِيًا فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ ».<البخاري (660), مسلم (1031) عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ رضي الله عنه>.
لا أن تفتح مصحفك ليراك الناس, أو أن تجلس في المسجد فترى جموعاً تقرأ معهم القرآن, أو أن تركب سيارة, أو أن تمشي في الطريق كل هذا حسن, ولكن كيف حالك في الخلوات؟ حينما تخلو بربك, ولا يراك إلا هو, لا يراك أحد, "وَرَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ" والذكر عام لكل ما يقربك من الله عز وجل, حتي مجرد الخاطر, خاطر يمر على قلبك, وأنت جالس في مكانك لا يراك أحد, ذكرت عظمت الله عز وجل, فوقع في قلبك من الجلال, ومن الحب لهذا الإله ففاضت عينك, أو ذكرت هذا الإله وأنه جبار منتقم, أخذ من أخذ من القرون الماضية, بصغار ذنوبهم وهو قادر عليك, أقرب منك لنفسك, فوقع في قلبك هيبة من هذا الجبار, جلست مجلساً فهيجت قلبك بالخوف من الله عز وجل ففاضت, لا أقول سكبت دمعاً, فاضت عينك خوفاً من هذا الملك, ما رَآكَ أحد أنت أنت.
قَلِّبْ قلبك, أين منزلك؟ أين مكانك؟ دع عنك مرور الأيام , الأيام تمر وتنقضي وتقربك من قبر ليس معك فيه أحد, إلا عمل صالح, إما أن يجعل عليك القبر روضة من رياض الجنة, وإما أن يكون بلية ومصيبة, أن يكون حفرة من حفر النار.
العمر لحظة, كيف تتعامل مع هذه الحياة؟ كيف تتعامل مع الدنيا؟ كيف تساير قلبك؟ كيف تجعل هذا القلب عبد لله عز وجل؟ وكما قال أهل المعرفة إن للقلب سجدة, إذا سجدها لا يقوم منها أبداً, إن عرف قلبك ربك فهنيئاً لك, أما إن كان القلب في شتات, والدنيا كلها شتات, لن ترى نفسك آمناً قط, إلا عند أول قدم على باب الجنة.
يقول أهل المعرفة: والله الذي لا إله غيره لن نأمن الخوف إلا عند أول قدم في الجنة, عند وضع أول قدم, دخلت الجنة ما شاء الله, فهنيئاً لك, أما قبل ذلك فمخاوف.
أيها الأحباب {يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (89)}. [الشعراء/89/88].
في هذه الحياة فرصة ما أحلها, وما أحسنها فرصة, لك ربك كريم جواد, عظيم يجود عليك بالنعم, يعطيك أناء الليل وأطراف النهار, أما ذكرت يوماً أنك سألت الملك فأعطاك من سُؤْلِكَ, وأنعم عليك العطايا, نعم.
أما دعوت ربك يوماً وأنت على ذنب ومعصية, أن يستر عيبك ولا يهتك الستر, فسترك وما فضحك وأنت قائم على المعصية, يناديك يدعوك وأنت غافل وأنت لاهي.
فأقف أوقف القلب على عظمت الرب, الدنيا لحظة اجعل لنفسك برنامج قبل أن تخرج من الدنيا, وا سوأتاه مات فلان, لا نذكر من موت فلان إلا أنه مات, وصار في عداد البشر والخلق منسياً, المرحوم!! من يذكر أباه من عشرة أو عشرين سنة؟؟! من يذكر أمه؟! من يذكر أخاه؟! من يذكر جاره؟! الكل تحت أجداث التراب رَهِينٌ بعمله, وأنت عما قريب ستنال هذا المنزل, وتقع في هذا الموقع وهذا الموقف, فماذا أعددت؟؟ عودوا إلى ربكم واستغفروه.................
** الخطبة الثانية **
الحمد لله رب العالمين, والعاقبة للمتقين, ولا عدوان إلا على الظالمين, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمد عبده ورسوله..
عباد الله آه من قلة المعين, وقلة الزاد, وضعف القلب, وعدم النصير, آه من دنيا دنية, ما سرت فيه إلا وعَجَّلت بك إلى قبرك, فما هي الحيلة؟.
قال فضيل بن عياض: لرجل كم أتت عليك.
قال: ستون سنة.
قال: فأنت منذ ستين سنة تسير إلى ربك, توشك أن تبلغ.
فقال الرجل: يا أبا علي إنا لله وإن إليه راجعون.
قال له الفضيل: تعلم ما تقول.
قال الرجل: قلت إنا لله وإنا إليه راجعون.
قال الفضيل: تعلم ما تفسيره؟.
قال الرجل: فسره لنا يا أبا علي.
قال قولك إنا لله تقول أنا لله عبد وأنا إلى الله راجع, فمن علم أنه عبد الله وأنه إليه راجع [الذي خلقك سيجمعك, وسيوقفك بين يديه], فليعلم بأنه موقوف, ومن علم بأنه موقوف, فليعلم بأنه مسئول, ومن علم أنه مسئول فليعد للسؤال جوابا.
فقال الرجل: فما الحيلة؟.[بعد أن عقل, كانت لهم عقول, يفهمون ويتعظون, ويتأثرون ليعملوا].
قال: تستره.
قال: ما هي؟.
قال: تحسن فيما بقي, يغفر لك ما مضى وما بقي [ لو أن بينك وبين الموت جزء من الثانية, ووجدت قلبك نجوت], فإنك إن أسأت فيما بقي أخذت بما مضى وما بقي. <حلية الأولياء (113/8) ما بين المعقوفين [ــ] زيادة تفصيل من الشيخ>.
روى البخاري ومسلم عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ أَنَّ نَبِىَّ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ « كَانَ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ رَجُلٌ قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ نَفْسًا فَسَأَلَ عَنْ أَعْلَمِ أَهْلِ الأَرْضِ فَدُلَّ عَلَى رَاهِبٍ فَأَتَاهُ فَقَالَ إِنَّهُ قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ نَفْسًا فَهَلْ لَهُ مِنَ تَوْبَةٍ فَقَالَ لاَ. فَقَتَلَهُ فَكَمَّلَ بِهِ مِائَةً ثُمَّ سَأَلَ عَنْ أَعْلَمِ أَهْلِ الأَرْضِ فَدُلَّ عَلَى رَجُلٍ عَالِمٍ فَقَالَ إِنَّهُ قَتَلَ مِائَةَ نَفْسٍ فَهَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ فَقَالَ نَعَمْ وَمَنْ يَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّوْبَةِ انْطَلِقْ إِلَى أَرْضِ كَذَا وَكَذَا فَإِنَّ بِهَا أُنَاسًا يَعْبُدُونَ اللَّهَ فَاعْبُدِ اللَّهَ مَعَهُمْ وَلاَ تَرْجِعْ إِلَى أَرْضِكَ فَإِنَّهَا أَرْضُ سَوْءٍ». < البخاري (3470), مسلم (2766) واللفظ له, أحمد "مسند" (20/3)>.
رجلا قتل تسعة وتسعين نفساً, خبط في الدنيا خبط عشواء, كان في ظلام دامس, أسرف في الذنب بل الذنوب, قتل تسعة وتسعين نفساً, أفاق على جرم فاحش, وعلى خطر عظيم, ولكن هل من الممكن أن يستدرك ما مضى؟ أريد أن أتوب, أريد أن أرجع, فدلوه على عابد, فانطلق إلى هذا العابد, ووقف بين يديه ذليلاً, يستشفعه أن يجد له حلاً أو أن يرى له سبيلاً.
فقال: هذا القاتل إني قتلت تسعة وتسعين نفساً, فهل لي من توبة, استبشع العابد الأمر, رجل يقف بين يديه بتسعة وتسعين نفس قتلها وسفك دمها ويريد أن يتوب.
قال: وأنى لك التوبة اذهب, فكأن الرجل آيس, فأتم به المائة, قتل هذا العابد, ثم انطلق وما زال هذا الرجل يبحث عن قلبه, أريد أن أتوب, أريد أن أرجع إلى الله عز وجل, هل من سبيل؟ هل من طريق؟ معه أقوام سوء, ما رأى يوماً من أنكر عليه معصية, وما رأى يوماً من أعانه على طاعة, والمحرك في قلبه, وابتلى بعابد سد أمامه الباب, ولكنه ما زال يبحث, يبحث عن قلبه, كيف أجد قلبي؟ كيف أصل بقلبي إلى ربي؟ قد أسرفت وأريد أن أتوب, دلوني على من يبصروني بالطريق, فدلوه على عالم, وقف بين يديه, وهو على خطر عظيم, فقد آيس من كل شئ, وهذه أخر المراحل.
قال: ماذا فعلت؟
قال الرجل: قتلت مائة نفس, فهل لي من توبة.
فقال له العالم: ومن يحيل بينك وبين التوبة, لك رب كريم جواد, بمجرد أن تصل إلى قلبك, وأن تجعل هذا القلب على أعتاب الذل للملك نجوت, رب كريم جواد, ينادي على عباده أناء الليل وأطراف النهار.
عَنِ الأَغَرِّ أَبِى مُسْلِمٍ يَرْوِيه عَنْ أَبِى سَعِيدٍ وَأَبِى هُرَيْرَةَ قَالاَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- « إِنَّ اللَّهَ يُمْهِلُ حَتَّى إِذَا ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ الأَوَّلُ نَزَلَ إِلَى السَّمَاءِ الدُّنْيَا فَيَقُولُ هَلْ مِنْ مُسْتَغْفِرٍ هَلْ مِنْ تَائِبٍ هَلْ مِنْ سَائِلٍ هَلْ مِنْ دَاعٍ حَتَّى يَنْفَجِرَ الْفَجْرُ ». <مسلم (758), أحمد "مسند" (34/3)>.
لقد روى الترمذي عَنْ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ « قَالَ اللَّهُ يَا ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ مَا دَعَوْتَنِى وَرَجَوْتَنِى غَفَرْتُ لَكَ عَلَى مَا كَانَ فِيكَ وَلاَ أُبَالِى يَا ابْنَ آدَمَ لَوْ بَلَغَتْ ذُنُوبُكَ عَنَانَ السَّمَاءِ ثُمَّ اسْتَغْفَرْتَنِى غَفَرْتُ لَكَ وَلاَ أُبَالِى يَا ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ لَوْ أَتَيْتَنِى بِقُرَابِ الأَرْضِ خَطَايَا ثُمَّ لَقِيتَنِى لاَ تُشْرِكُ بِى شَيْئًا لأَتَيْتُكَ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً ». <الترمذي (3540)>.
"يَا ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ مَا دَعَوْتَنِى وَرَجَوْتَنِى غَفَرْتُ لَكَ عَلَى مَا كَانَ فِيكَ وَلاَ أُبَالِى" إن وجدت قلبك فهنيئاً لك, "غَفَرْتُ لَكَ عَلَى مَا كَانَ فِيكَ وَلاَ أُبَالِى".
"يَا ابْنَ آدَمَ لَوْ بَلَغَتْ ذُنُوبُكَ عَنَانَ السَّمَاءِ" كل ذنوبك وصلت إلى السحاب ملئت الأرض, "غَفَرْتُ لَكَ وَلاَ أُبَالِى".
"يَا ابْنَ آدَمَ إِنَّكَ لَوْ أَتَيْتَنِى بِقُرَابِ الأَرْضِ خَطَايَا" بما يقارب الأرض طولاً وعرضاً, "ثُمَّ لَقِيتَنِى لاَ تُشْرِكُ بِى شَيْئًا لأَتَيْتُكَ بِقُرَابِهَا مَغْفِرَةً".
لو عرف العباد نعمة القرب من رب العباد, لو سجد القلب لله سجدة ما رفع منها قط, وجد المحبون لذة القرب فما وجدوا أحلى ولا ألذ من مناجاة الحبيب, مضى العمر وهم في قرب, وغيرهم لاهون غافلون, {لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ}. [الحجر/72].
هذا الرجل استبشر وَمَنْ يَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّوْبَةِ انْطَلِقْ إِلَى أَرْضِ كَذَا وَكَذَا فَإِنَّ بِهَا أُنَاسًا يَعْبُدُونَ اللَّهَ فَاعْبُدِ اللَّهَ مَعَهُمْ وَلاَ تَرْجِعْ إِلَى أَرْضِكَ فَإِنَّهَا أَرْضُ سَوْءٍ.[أنت مع أقوام أعانوك على المعاصي والذنوب, ما فيهم معين على طاعة, فلابد أن ترحل, ولابد أن تهجر هؤلاء القوم]. انْطَلِقْ إِلَى أَرْضِ كَذَا وَكَذَا فَإِنَّ بِهَا أُنَاسًا يَعْبُدُونَ اللَّهَ فَاعْبُدِ اللَّهَ مَعَهُمْ. [ وكان هذا العالم يعرف موقعاً ومكاناً فيه أقواماً يعبدون الله عز وجل, فيهم عون على الطاعة]. انْطَلِقْ إِلَى أَرْضِ كَذَا وَكَذَا فَإِنَّ بِهَا أُنَاسًا يَعْبُدُونَ اللَّهَ فَاعْبُدِ اللَّهَ مَعَهُمْ وَلاَ تَرْجِعْ إِلَى أَرْضِكَ فَإِنَّهَا أَرْضُ سَوْءٍ.[بمجرد أن وجد الرجل القاتل قلبه, ووجد السبيل إلى ربه, ما فكر أن يعود إلى أرض السوء]. فَانْطَلَقَ [قاصداً أرض الطاعة]. حَتَّى إِذَا نَصَفَ الطَّرِيقَ.[لكنه بمجرد أن انطلق إلى الأرض التي فيها النور, وبها الضياء, وبها من يعينه على الطاعات]. أَتَاهُ الْمَوْتُ فَاخْتَصَمَتْ فِيهِ مَلاَئِكَةُ الرَّحْمَةِ وَمَلاَئِكَةُ الْعَذَابِ فَقَالَتْ مَلاَئِكَةُ الرَّحْمَةِ جَاءَ تَائِبًا مُقْبِلاً بِقَلْبِهِ إِلَى اللَّهِ. وَقَالَتْ مَلاَئِكَةُ الْعَذَابِ إِنَّهُ لَمْ يَعْمَلْ خَيْرًا قَطُّ. فَأَتَاهُمْ مَلَكٌ فِى صُورَةِ آدَمِىٍّ فَجَعَلُوهُ بَيْنَهُمْ فَقَالَ قِيسُوا مَا بَيْنَ الأَرْضَيْنِ فَإِلَى أَيَّتِهِمَا كَانَ أَدْنَى فَهُوَ لَهُ. فَقَاسُوهُ فَوَجَدُوهُ أَدْنَى إِلَى الأَرْضِ الَّتِى أَرَادَ فَقَبَضَتْهُ مَلاَئِكَةُ الرَّحْمَةِ ».<مسلم (2766), أحمد "مسند" (20/3) عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ وما بين المعقوفين [ــ] زيادة تفصيل من الشيخ>.
هل وجدت قلبك؟ إن وجدت القلب سترى من الرحمة, سترى رب رحيماً ودوداً, سترى لك رباً يقربك, ويدنيك يعلي قدرك, ويرفع من شأنك, يعظم لك الحسنات, ويغفر لك السيئات, ويعطيك ما لم يعطي أحد, إلا ما كان من الأنبياء وأتباع الانبياء, قال عز وجل: {وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا}. [النساء/69].
انظر أين أنت؟ كم بينك وبين الأنبياء؟ كم بينك وبين الأخيار؟ ربما أعوام وأعوام, ولكن سيجمعك الله عز وجل معهم, {فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا }.
قال عز وجل "فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى هَذِهِ أَنْ تَقَرَّبِى. وَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى هَذِهِ أَنْ تَبَاعَدِى . وَقَالَ قِيسُوا مَا بَيْنَهُمَا . فَوُجِدَ إِلَى هَذِهِ أَقْرَبُ بِشِبْرٍ ، فَغُفِرَ لَهُ " <البخاري (3470) واللفظ له, مسلم (2766) عَنْ أَبِى سَعِيدٍ - رضى الله عنه>.
ملك بيده مقليد السموات والأرض, نزلت الرحمة على هذا المجرم الذي قتل مائة نفس, ولكنه تاب, فغفر الله ذنبه, وأعلى الله قدره ورفع شأنه, وما زلنا ولا يزال الناس يذكرون خبره, "فَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى هَذِهِ أَنْ تَقَرَّبِى . وَأَوْحَى اللَّهُ إِلَى هَذِهِ أَنْ تَبَاعَدِى . وَقَالَ قِيسُوا مَا بَيْنَهُمَا . فَوُجِدَ إِلَى هَذِهِ أَقْرَبُ بِشِبْرٍ ، فَغُفِرَ لَهُ ".
أيها الأحباب نحن في فسحة من هذه الحياة, لآبد أن نضع لها خطة, قبل أن نخرج منها, من الذي خلقك؟ وما الذي يجب له عليك؟ ولما خلقت؟ ولآبد أن تُسَئِل نفسك أنت ما خلقت عبساً, ولا خلقت لعباً, أنت مخلوق عظيم مكرم عند الله عز جل, وتكريمك أن تكون عبداً, فإن خرجت من العبودية, فمن أنت؟! لا شئ لا وزن ولا ريح, بل أَعاذَنَا الله وإياكم من كان هذا حاله حرم النعيم الأبدي.
أختم كلامي بهذا الحديث, روى الإمام مسلم عن الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ رضي الله عنه مرفوعاً قَالَ « سَأَلَ مُوسَى.[أي موسى بن عمران] سَأَلَ مُوسَى رَبَّهُ مَا أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً [لو قلنا الأن في الدنيا من أدنى أهل الدنيا؟ من يرتصفون الطرق, وربما لا يجدون شيئاً, وربما فيهم من العلل والآفات]. قَالَ هُوَ رَجُلٌ يَجِىءُ بَعْدَ مَا أُدْخِلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ فَيُقَالُ لَهُ ادْخُلِ الْجَنَّةَ. فَيَقُولُ أَىْ رَبِّ كَيْفَ وَقَدْ نَزَلَ النَّاسُ مَنَازِلَهُمْ وَأَخَذُوا أَخَذَاتِهِمْ.[كل نال مكانه وموضعه]. فَيُقَالُ لَهُ أَتَرْضَى أَنْ يَكُونَ لَكَ مِثْلُ مُلْكِ مَلِكٍ مِنْ مُلُوكِ الدُّنْيَا. [ملك من قدامى الملوك الذي كان الملك منهم يملك ثلث أو نصف الأرض]. فَيَقُولُ رَضِيتُ رَبِّ. فَيَقُولُ لَكَ ذَلِكَ وَمِثْلُهُ وَمِثْلُهُ وَمِثْلُهُ وَمِثْلُهُ. فَقَالَ فِى الْخَامِسَةِ رَضِيتُ رَبِّ. فَيَقُولُ هَذَا لَكَ وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ وَلَكَ مَا اشْتَهَتْ نَفْسُكَ وَلَذَّتْ عَيْنُكَ. فَيَقُولُ رَضِيتُ رَبِّ. قَالَ رَبِّ فَأَعْلاَهُمْ مَنْزِلَةً.[الذين وصلوا إلى قلوبهم, الذين وجدوا قلوبهم مع الله عز وجل, وعرفوا الطريق]. قَالَ رَبِّ فَأَعْلاَهُمْ مَنْزِلَةً, قَالَ أُولَئِكَ الَّذِينَ أَرَدْتُ غَرَسْتُ كَرَامَتَهُمْ بِيَدِى وَخَتَمْتُ عَلَيْهَا.[هو الذي هيئا مكانهم ونزلهم في الجنة, الرب]. فَلَمْ تَرَ عَيْنٌ وَلَمْ تَسْمَعْ أُذُنٌ وَلَمْ يَخْطُرْ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ ». قَالَ وَمِصْدَاقُهُ فِى كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ (فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِىَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ) الآيَة.<مسلم (189) وما بين المعقوفين [ــ] زيادة تفصيل من الشيخ>.
كم لهم من النعيم؟ لا يوجد مخلوق يعلم هذا, لأن الله عز وجل أخفى أمرهم إلى يوم المزيد, إلى يوم اللّقْيَ, {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ}. [يونس/26].
"قَالَ أُولَئِكَ الَّذِينَ أَرَدْتُ غَرَسْتُ كَرَامَتَهُمْ بِيَدِى وَخَتَمْتُ عَلَيْهَا فَلَمْ تَرَ عَيْنٌ وَلَمْ تَسْمَعْ أُذُنٌ وَلَمْ يَخْطُرْ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ ». قَالَ وَمِصْدَاقُهُ فِى كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ (فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِىَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ)".
أيها الأحباب ما زلنا في فسحة من الوقت, ولكن إياك أن تسوف, فالعمر يمضي سريعاً, وإذا عَلاَكَ الشيب, فيا بُئْسَاً لك, إن لم تراجع نفسك, ومن كان قبل هذا فلا يدري متى تخطفه أنياب المنايا, فإن الموت ما ترك صغيراً ولا كبيراً, لا رجلاً ولا امرأة, بل يأتي بغتة وينقله إلى دار, إما جنة وإما نار.
أسأل الله بِأَسْمَائِه وصفاته, أن يرحمنا, وأن يغفر ذنوبنا, اللهم حبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا, وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان, اللهم إنا نسألك الجنة, وما يقرب إليها من قول أو عمل, ونعوذ بك من النار, وما يقرب إليها من قول أو عمل.........وأقم الصلاة
تقبل الله من شيخنا وبارك فيه وانفع به.. آمين آمين


موضوع مغلق


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
طرق عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع كتابة مواضيع جديدة
لا تستطيع كتابة ردود جديدة
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

رمز [IMG] متاحة
رمز HTML معطلة
الانتقال السريع إلى

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
خطبة وإن تطيعوه تهتدوا لشيخنا المبارك صلاح الدين بن عبد الموجود حفظه الله أبو عمر بن غالي قسم تفريغ الدروس 1 01-21-2011 09:49 AM
خطبة الجمعة 7 صفر ::صرخة وأين المجيب:: أبو عبد الرحمن العامري قســم المرئيـــات 1 01-23-2010 07:56 PM
خطبة الجمعة بعنوان ( الأنقياد لله ... سبيل النجاه ) للمحدث / صلاح الدين عبد الموجود السيد الخباز قســم المرئيـــات 3 06-14-2009 04:29 PM
خطبة الجمعة بعنوان _ وعجلت إليك رب لترضى - المحدث / صلاح الدين على بن عبد الموجود السيد الخباز قســم المرئيـــات 0 05-17-2009 07:08 PM
خطبة الجمعة للمحدث / صلاح الدين بن على بن عبد الموجود بعنوان ( لعلهم يشكرون ) السيد الخباز قســم المرئيـــات 0 05-04-2009 08:06 PM


الساعة الآن: 11:16 PM.


Powered by vBulletin V3.6.4. Copyright ©2000 - 2017,