صفحة جديدة 1 صفحة جديدة 1 صفحة جديدة 1 صفحة جديدة 5 صفحة جديدة 1
 

 

مقطع وثائقي أذاعته

قناة صفا الفضائية

للبحث في الملتقى بواسطة Google


العودة   ملتقى طلاب العلم > فضيلة الشيخ صلاح الدين علي عبد الموجود > قسم تفريغ الدروس
التسجيل الأسئلة الشائعة قائمة الأعضاء التقويم البحث مشاركات اليوم اجعل كافة المشاركات مقروءة

رد
 
أدوات الموضوع طرق عرض الموضوع
  #1  
قديم 02-13-2010, 01:50 PM
أبو عمر بن غالي أبو عمر بن غالي غير متواجد حالياً
 
تاريخ التسجيل: Feb 2009
المشاركات: 251
افتراضي خطبة الجمعة 29 من صفر 1431 هـ بعنوان (قطوفها دانية) لشيخنا صلاح الدين بن عبد الموجود.

بسم الله الرحمن الرحيم
قطوفها دانية
إِنَّ الحَمْدَ للهِ؛ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلاَ مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلاَ هَادِيَ لهُ.
وَأَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ -وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ-.
وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.
?يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ? [آل عمران:102].
?يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا? [النساء:1].
?يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا? [ الأحزاب:70-71].
أَمَّا بَعْدُ:
فَإِنَّ أَصْدَقَ الحَدِيثِ كِتَابُ اللهِ تعَالَى، وَخيرَ الهَدْيِ<الهَدْي: السيرة والهيئة والطريقة.> هَدْيُ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، وَشَرَّ الأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلاَلَة.
أما بعد:
عباد الله في زحمة من الحياة، وفي كثرة من الشهوات، نرى أن القلوب في سيرها إلى الله عز وجل قد تتعطل، لا تعرف إلى أين تسير، ترى القلب قد انشغل بالأضواء، بهرته هذه الشهوات، فأثرت فيه، فانشغل بلذائذ الدنيا، وتعطل عن الآخرة، فإذا هو بعد لحظات قد خرج من الدنيا وما وجد إلا الحسرة، بعد طول الغفلة، إن العاقل هو الذي يعلم البداية، وهو الذي يُدرك النهاية، إن العاقل هو الذي يعلم أن لذائذ الدنيا منقطعة، ما من لذيذة إلا وهى مشوبة بغصص، وما من نعمة في الدنيا إلا ويعقوبها نقمة، وما من راحة إلا وبعدها تعب، فالدنيا قلابة، تتقلب على البر والفاجر، ولكن السعيد من حث القلب وأطلاق البدن حتى يسير إلى الله عز وجل، حتى ينتهي به المطاف في جنة عرضها السموات والأرض.
هل نشتاق إلى الجنة؟ الجواب نعم.
ولكن كمشتاق يسبح في بحور الخيال، كمشتاق يؤمل ولكنه يعلم أن هذا الأمل مستحيل، الدنيا شغلتنا، وألهتنا وعطلتنا، وكأن الطريق الذي يريده منا ربنا تبارك وتعالى ما سلكه قبلنا أحد، ما التفت منا ملتفت، ولا نظر ناظر إلا ورأى أغلال، ورأى قيود تحيل بيننا وبين السير، إن أقمنا في يوم طاعة أتبعناها بمعاصي وذنوب، لا يعلمها إلا الله، كأن من سبقنا إلى هذا الطريق كانوا أشبه بقصص الخيال، نسمع عن أقوام بشروا في هذه الحياة بالجنة وهم أحياء، نسمع عن أقوام أقاموا أمر الله عز وجل حق قيام، نسمع عن أقوام هفت قلوبهم وسمت فليس فيها إلا الله، وبينما نرى أنفسنا في زمان قل فيه الناصح، وانعدم المعين، ترى الطريق شاق، وتراه متعسر، ولكن لو جمع العبد قلبه، وجمع العبد عقله، وعلم أن الجهد قليل، وأن التذلل بين يدي الملك يعينك على مواصلة السير، إذا دفع العبد قلبه، وحث وحض نفسه، وقال لنفسه يا نفس أين أنت غداً؟ إما جنة وإما نار،ففي أي المنزلين تريدين أن تكوني.
الطريق وإن ثقل وإن صعب، ولكن من ذل للملك، واستغاث به هون عليه الطريق، إن أقواماً بشروا بالجنة وهم أحياء، إن أقواماً علموا أن الغاية أن يحطوا برحالهم في الجنة، فما عطلهم عن الجنة مُعطل، قد يصعب الطريق ويثقل مع قلة المعين، وقلة الناصح، ولكن حينما يشتاق القلب ويتمنى ويتمنى، ويُعظم الأمنية مع قليل من السير سيصل إن شاء الله.
ربنا تبارك وتعالى حثنا وحضنا على هذه السلعة الغالية. الجنة.
قال بعض من سبق ما سمعنا ولا رأينا أمراً أشبه بالخيال من الآخرة، فإن غالب الناس انشغلوا بالدنيا لأنها رأي عين، وغفلوا عن الآخرة لأنها غيب، ووالله الذي لا إله غيره، لن يثبت قلبك ولن تنجو من غب ضر هذه الحياة إلا أن تؤمن بالغيب، ربنا عز وجل بين لنا أنها تجارة، وأنها تجارة رابحة، وأن الله عز وجل ضمن لنا هذه التجارة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (10)}. [الصف/10].
يخاطب العقلاء من بني الإنسان، يخاطب من كلفهم سبحانه وتعالى وعظم لهم الأمر: {هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (10)}. هذه تجارة خسارتها النار، وربحها الجنة.
أين قلوب الخلق؟ فيما نفكر؟ فيما ننشغل؟ ما همك الذي تحمله؟ هل همك الجنة والنجاة من النار؟ ها فكرت غداً أين منزلك وأين مكانك؟! {هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (10) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (11) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (12)}. [الصف/12/11/10].
مهما جمعت، مهما امتلئ قلبك وبدنك من الدنيا، متاع قليل: {وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى}. [الأعلى/17].
{ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ}. فلا فوز إلا بالجنة، ولا نجاة إلا بالجنة، ولا عمل ولا كد إلا للجنة، من عمل لغير الجنة فلا يتعنى، فلا يتعب نفسه، الجنة هي المراد هي الهدف، من عمل للدنيا فهي غدارة خداعة، لن تنال منها إلا ما قدر الله لك، ثم بعد، عند سكرة الموت، بل قول عن أول سكرة، حينما ترى أن الدنيا ذهبت، وأن العمر ولى، وما بقى أمامك إلا الحسرة، أين العمر؟! مضى فيما لا يوافق الرضا، في هذه الساعة تتمنى أن تسجد سجدة، تتمنى أن تركع ركعة، تتمنى أن تذكر الله عز وجل في مجلس مرة، يقول هذا التالف: {حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (99) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا}. [المؤمنون/100/99].
كم قلنا كثيراً سنتوب سننيب سنعود، الأيام تمر والساعات تنقضي، فإذا بالعمر ولى، وإذا بالحياة قد انقضت، وما زلنا في الأمنية: {كَلَّا}، {كَلَّا}، {كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ (26) وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ (27)}. [القيامة/27/26].
أين الطبيب؟ لا ننشغل إلا بهذا عند سكرات الموت، من يوقف هذا الزاحف؟ من يعطل هذه النهاية؟ لا أحد: {وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ (27)}. من الراقي من مطبب؟ حتى ولو جاء ألف طبيب: {كَلَّا إِذَا بَلَغَتِ التَّرَاقِيَ (26) وَقِيلَ مَنْ رَاقٍ (27)}. [القيامة/27/26].
أيقن أنه من الدنيا خارج: {وَظَنَّ أَنَّهُ الْفِرَاقُ (28) وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ (29) إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَسَاقُ (30)}. [القيامة/30/29/28].
ألا جمعت قلبك على هذه الأمنية قبل هذه اللحظة، هلا جمعت قلبك على أمر عظيم، وعلى أهوال عظام، ستموت والموت هو أول الشدائد، ليس له نهاية.
{وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ} قال ابن عباس: (وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ) يقول: آخر يوم من الدنيا، وأوّل يوم من الآخرة، فتلتقي الشدّة بالشدة، إلا من رحم الله. < تفسير الطبري (76/24) ط مؤسسة الرسالة تحقيق الشيخ أحمد شاكر >.
وقال قتادة: (وَالْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ) قال: الشدّة بالشدّة، ساق الدنيا بساق الآخرة. < تفسير الطبري (78/24) ط مؤسسة الرسالة تحقيق الشيخ أحمد شاكر >.
ويا لها من ساعة لا تشبهها ساعة، يندم فيها أهل التقى فكيف بأهل الإضاعة؟! يجتمع فيها مع شدة الموت مع حسرة الفوت، ثم بعد الموت قبور وأهوال، عقارب حيات ملكان يسألان ومن يجيب؟!
ثم بعث ثم نشور، ثم وقوف في أرض المحشر قدر خمسين ألف سنة، ليس في أرض المحشر وهدة لأحد، ولا ربوة لأحد، ولا معلم لأحد، وقف الخلق جميعاً على أرض بيضاء عفراء ليس فيها معلم لأحد، زحام لا يعلمه إلا الله: {وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا}. [طه/108].
يا له من طول وقوف، لا ينجيك فيه إلا عملك، لا ينجيك فيه إلا ما قربت وقدمت، لا يأكل فيها العبد أكله ولا يشرب شربة، قدر خمسين ألف سنة.
قال الحسن البصري: "ما ظنك بأقوام قاموا لله على أقدامهم مقدار خمسين ألف سنة، لم يأكلوا فيها أكلة، ولم يشربوا فيها شربة، حتى إذا انقطعت أعناقهم من العطش، واحترقت أجوافهم من الجوع، انصرف بهم إلى النار، فسقوا من عين آنية، قد أتى حرُّها، واشتد نضجها".
الجنة هل فكرنا فيها؟ أخر الشدائد، وأخر الصعاب، حينما نعبر الصراط، أخر من يدخل الجنة رجل خرج من النار حبوا، كم مضى من العمر؟ ربما ألاف بل ربما ألاف ألاف من السنين وهو في النار، من يصبر؟! ومن يطيق؟! في دنيا هي لحظة من الزمان.
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يُؤْتَى بِأَنْعَمِ أَهْلِ الدُّنْيَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ[ رحل ما عرف في الدنيا شقوة قط، وما ذاق تعباً ولا نكداً ولا كداً قط، رجل تنعم في الحرير والملك والمال والجاه والسلطان، ولكن ما عرف الله]، فَيُصْبَغُ فِي النَّارِ صَبْغَةً ، ثُمَّ يُقَالُ لَهُ : يَا ابْنَ آدَمَ هَلْ رَأَيْتَ خَيْرًا قَطُّ ؟ هَلْ مَرَّ بِكَ نَعِيمٌ قَطُّ ؟ فَيَقُولُ : لاَ ، وَاللَّهِ يَا رَبِّ ، وَيُؤْتَى بِأَشَدِّ النَّاسِ فِي الدُّنْيَا مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ ، فَيُصْبَغُ فِي الْجَنَّةِ صَبْغَةً فَيُقَالُ لَهُ : يَا ابْنَ آدَمَ هَلْ رَأَيْتَ بُؤْسًا قَطُّ ؟ هَلْ مَرَّ بِكَ شِدَّةٌ قَطُّ ؟ فَيَقُولُ : لاَ ، وَاللَّهِ يَا رَبِّ ، مَا مَرَّ بِي بُؤْسٌ قَطُّ ، وَلاَ رَأَيْتُ شِدَّةً قَطُّ. < مسلم (2807), أحمد "مسند" (203/3)، ما بين المعقوفين [ــ] زيادة توضيح من الشيخ >.
هذه الدنيا لمن عقلها.
أيها الأحباب إن الطريق صعب، وقد تَعنَّى من سبق رغم أنهم كانوا أخيار، فلا يغرنك قول القائل لك رب رحيم، لك رب ودود لك رب كريم، نعم هو كريم هو جواد، هو رحيم هو ودود، ولكنه شديد العقاب، يأخذ بالذنب ويجازي به، أرحم بالعبد من نفسه، جعل له في الدنيا مهلة، فإذا انقضت فليس إلا العقاب، إلا من أدركته الرحمة.
أيها الحبيب هل فكرنا في الجنة؟! تأمل حال أهل النار وهم يعذبون، حال من حرموا في هذه الدنيا لذة الحب لله عز وجل، حرموا لذة القرب من الله سبحانه، خرجوا من الدنيا فما نالهم من الله عز وجل رحمة، هم في النار أحاطت بهم سرادقها: {وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا}. [الكهف/29].
فلا غوث ولا نجاة: {كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ}. [السجدة/20].
أحيط بهم من كل جانب، قال خزنة النار لهم، ألم تأتكم رسل لكم يدلونكم على الله عز وجل؟! فكان الجواب قالوا بلا، جاءنا من الله رسل، وجاءنا من الله بيان، ولكن غفل القلب وحاد عن الرب.
أتدري أيها الحبيب كم يمضون أهل النار في النار؟ لا يعلم العدد إلا الله، كفى بهم صراخاً كفى بهم عويلاً، لا استعاثه ولا جواب، حتى أنهم يستغيثون ويستنصرون وينادون على مالك خازن النار: {وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ}. [الزخرف/77].
لا طلب لهم إلا الموت الذي ليس بعده حياة، لا طلب لهم إلا أن لا يكون لهم أثر: {ِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ}. تمر الأعوام ولا جواب.
روى عن ابن عباس {وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ}. فأجابهم بعد ألف سنة {إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ}. < تفسير الطبري (645/21) ط مؤسسة الرسالة تحقيق الشيخ أحمد شاكر, تفسير القرطبي (117/16) >.
وتمضى السنون وتتعاقب عليهم، ثم بعد ذلك يستغيثون بالملك، يستصرخون وينادون: {قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ (106) رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ (107)}. [المؤمنون/107/106].
هذا الجواب كلما تعثر أراد أن يتوب، كلما سقط أراد أن ينيب، كلما ظلم أراد أن يرجع: {فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ}. في الدنيا نعم أما هنا فلا، فيجيبهم رب العزة تبارك وتعالى: {قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ}. [المؤمنون/108]
فلا خروج وينتهي الجواب فلا جواب.
أين قلبك؟ ما الذي أشغلك؟ ما الذي عطلك؟ ما الذي بهر قلبك بهذه الدنيا التافهة؟ {اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ}. [الحديد/20].
هي الدنيا تافهة حقيرة، كم من جامع لها قد فارقها؟! وهي في قلبه ما خرجت، أعظم حسرة حينما يخرج العبد من الدنيا وقد ترك كل شئ، ترك الزوجة، ترك الولد، ترك المال، ترك كل شئ، ولكن متى سننتبه؟! ومتى سنفيق؟! عودوا إلى ربكم واستغفروه.................
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين, والعاقبة للمتقين, ولا عدوان إلا على الظالمين, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمد عبده ورسوله..
أيها الحبيب إن أردت أن لا تخوف نفسك بذكر النار، فهيج النفس بذكر الجنة، إن أردت أن تتعامى أو تتغافل عن ذكر النار لأنها قد تصيبك بإحباط، أو ربما تملئ النفس بنوع من القنوط، فهيج قلبك بذكر الجنة، الجنة التي اشتاق إليها من سبق، وكما ذكرت بُشِر البعض بها وهم أحياء.
الجنة هي سلعة الله الغالية، جعل الله عز وجل ثمنها النفس فما دونها قال سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ}. [التوبة/111].
في يوم القيامة تمر المتع وتمر اللذائذ، ويرى أهل الإيمان ما وجدوا من لذة النعيم، التي كانت في الدنيا بالطاعات، ومن لذة النعيم بعد أن أعطاهم الله عز وجل وأورثهم الجنة، حينما يرون هذا: {وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ}. [الأعراف/44].
قلوب هفت، وقلوب سمت، وقلوب عقلت عن الله عز وجل، أن الجهد القليل في الدنيا عند الله عز وجل كثير، لو قاس العبد مدة حياته بمدة مرض البعض، كم من أقوام منذ سنين يعانون من المرض؟ من طبيب إلى طبيب، ومن علة إلى علة، وعظمت البلايا وكثرت الرزايا، بل لو قاس العبد مدة حياته بمدة مكثه في قبره، بمدة وقوفه في أرض المحشر، بل لو جمع العبد عمره كله ما يعدل وقوفه للمسائلة بين يدي الله عز وجل، بل لم يعدل لحظة مروره على الصراط، كم نتعامى؟! وكم نتغابى؟! قال عز وجل: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (32) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (33) وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (34)}. [فاطر/34/33/32].
لا حزن في الجنة، لا تعب في الجنة، لا نصب ولا كد في الجنة، إنما هو النعيم الذي لا ينقطع: {وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (34) الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ (35)}. [فاطر/35/34].
لا تعب، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ، حَدِّثْنَا عَنِ الْجَنَّةِ، مَا بِنَاؤُهَا؟ قَالَ: لَبِنَةُ ذَهَبٍ وَلَبِنَةُ فِضَّةٍ [واللبنة القالب الذي يرتفع به البنيان]، وَمِلاَطُهَا الْمِسْكُ الأَذْفَرُ [المُونَة التي توضع بين اللبنتين]، وَحَصْبَاؤُهَا اللُّؤْلُؤُ وَالْيَاقُوتُ، وَتُرَابُهَا الزَّعْفَرَان، مَنْ يَدْخُلُهَا يَنْعَمُ وَلاَ يَبْأَسُ، وَيَخْلُدُ وَلاَ يَمُوتُ، لاَ تَبْلَى ثِيَابُهُ وَلاَ يَفْنَى شَبَابُهُ. < الترمذي (2526), أحمد "مسند" (305/2)، ما بين المعقوفين [ــ] زيادة توضيح من الشيخ >.
الجنة أول من يقرع الباب نبيك، وكل من سار على نهجه وطريقته من بعده، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: آتِي بَابَ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَسْتَفْتِحُ، فَيَقُولُ الْخَازِنُ: مَنْ أَنْتَ؟ قَالَ: فَأَقُولُ: مُحَمَّدٌ قَالَ: يَقُولُ: بِكَ أُمِرْتُ أَنْ لاَ أَفْتَحَ لأَحَدٍ قَبْلَكَ. < مسلم (197), أحمد "مسند" (136/3) >.
يقول صلى الله عليه وعلى آله وسلم: « أَنَا فَرَطُكُمْ عَلَى الْحَوْضِ »أي حوض النبي صلى الله عليه وسلم، وقيل قبل الصراط، وقيل بعد الصراط، والراجح أنه قبل الصراط، قال صلى الله عليه وسلم: « أَنَا فَرَطُكُمْ عَلَى الْحَوْضِ، وَلَيُرْفَعَنَّ رِجَالٌ مِنْكُمْ ثُمَّ لَيُخْتَلَجُنَّ دُونِى فَأَقُولُ يَا رَبِّ أَصْحَابِى . فَيُقَالُ إِنَّكَ لاَ تَدْرِى مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ ». < البخاري (6576) عن ابن مسعود رضي الله عنه , مسلم (2304) عن صهيب الرمي رضي الله عنه >.
وفي رواية للبخاري: « وَالَّذِى نَفْسِى بِيَدِهِ لأَذُودَنَّ رِجَالاً عَنْ حَوْضِى كَمَا تُذَادُ الْغَرِيبَةُ مِنَ الإِبِلِ عَنِ الْحَوْضِ ». < البخاري (2367) عن أبي هريرة رضي الله عنه >.
ما زالوا على القهقرى، أي في رجوع.
قال ابن القيم رحمه الله في النونية:ـ
أبوابهــا حــق ثمانية أتت *** في النص وهي لصاحب الإحسان
باب الجهاد وذاك أعلاها وباب *** الصوم يدعي الباب بالريان
ولكل سعي صالح باب ورب *** السعي منه داخل بأمان
إن سألتم عن قصورها وعن بنيانها، قصورها كما ذكرنا لبنة من ذهب ولبنة من فضة، وفيها قصور من زجاج، عن أَبِى مُوسَى الأَشْعَرِىِّ - رضى الله عنه - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ « إِنَّ فِى الْجَنَّةِ خَيْمَةً مِنْ لُؤْلُؤَةٍ مُجَوَّفَةٍ ، عَرْضُهَا سِتُّونَ مِيلاً ، فِى كُلِّ زَاوِيَةٍ مِنْهَا أَهْلٌ ، مَا يَرَوْنَ الآخَرِينَ يَطُوفُ عَلَيْهِمُ الْمُؤْمِنُونَ ». < البخاري (4879), مسلم (2838) >.
وفي رواية أحمد: « الْخَيْمَةُ دُرَّةٌ طُولُهَا فِي السَّمَاءِ سِتُّونَ مِيلاً ، فِي كُلِّ زَاوِيَةٍ مِنْهَا أَهْلٌ لِلْمُؤْمِنِ وَلاَ يَرَاهُمُ الآخَرُونَ ». < أحمد "مسند" (411/4) عن أَبِى مُوسَى الأَشْعَرِىِّ أيضاً >.
أي بداخل الغرف له أهل كلٌ لا يري من في الغرفة المجاورة، والمبنى جميعه من الزجاج، نوعه لا يعلمه إلا الله: « إِنَّ فِي الْجَنَّةِ غُرْفَةً يُرَى ظَاهِرُهَا مِنْ بَاطِنِهَا ، وَبَاطِنُهَا مِنْ ظَاهِرِهَا ». < أحمد "مسند" (173/2)، عبد الرزاق "مصنف" (418/11) >.
وقد رأينا أشبهها.
إن سألتم عن شجر الجنة، شجر عظيم، وما سميت جنة إلا لكثرة أشجارها، يقول النبي صلى الله عليه وسلم « إِنَّ فِى الْجَنَّةِ شَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ فِى ظِلِّهَا مِائَةَ عَامٍ لاَ يَقْطَعُهَا ، وَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ ( وَظِلٍّ مَمْدُودٍ ) » < البخاري (4881) عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه, مسلم (2828) أبي سعيد الخدري رضي الله عنه >.
إن سألتم عن طعام الجنة، فطعام الجنة على سبيل التفكه، لن ترى في الجنة جوع، ولن ترى في الجنة ظمأ، ولن ترى في الجنة تعب ولا كد ولا نصب، ما في الجنة بالأمنية، بمجرد أن تتمنى، مجرد أن يصل إلى قلبك الأمنية ترى هذا.
جلس رجل بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم، فسأل هل في الجنة غرس؟ هل يغرس في الجنة؟ فقال بعض الحاضرين كأن هذا من أهل البادية، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: نعم يبذر البذر في لحظة ويخرج الثمر، ما اشتهى العبد وجد بالأمنية، الطعام في الجنة على سبيل التفكه، ولذلك ما تمنى الإنسان يجد، قال عز وجل: {وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (21) وَحُورٌ عِينٌ (22) كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ (23) جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (24)}. [الواقعة/24/23/22].
لا بما كانوا يغفلون، ولا بما كانوا ينامون، لما عقل العقلاء شمروا عن ساعد الجد، وعلموا أن الجنة هي السلعة الغالية، فبذلوا النفس لله عز وجل وقربوها، فلا طاعة إلا ولهم السبق، ولا معصية إلا وكانوا هم أبعد الخلق، حينما عقلوا عن الله عز وجل.
أيها الأحباب نساء الجنة خير نساء، كما أن طعام الجنة خير طعام.
قال ابن القيم رضي الله عنه في النونية:ـ
وطعامهم ما تشتهيه نفوسهم*** ولحوم طير ناعم وسمان
وفواكه شتى بحسب مناهم*** يا شبعة كملت لذي الايمان
لحم وخمر والنسا وفواكه*** والطيب مع روح ومع ريحان
وصحافهم ذهب تطوف عليهم*** بأكف خدام من الولدان.
هي الجنة هل سمعتم عن حوراء الجنة، قال بعضهم يصف تلك الحور:
فلو أن حوراً في الدياجي تبسمت***لجلَّى دجى الظلماء في الأرض نورها.
ولو مُزِجَ الماء الأجاج بريقها***لأصبح عذبـاً سلسبيلاً بحورها.
العاقل من ينظر في الجنة، لأن في الجنة الخير كله، ويحذر أن يسوف وأن ينشغل بنعيم الدنيا فيعطله عن الآخرة.
الجنة: {حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ}. [الرحمن/72].
ما رآهن أحد قبلك، حور يحار الطرف حينما ينظر إليهن من شدة جمالهن، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : لِلرَّجُلِ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ زَوْجَتَانِ مِنْ حُورِ الْعِينِ ، عَلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ سَبْعُونَ حُلَّةً ، يُرَى مُخُّ سَاقِهَا مِنْ وَرَاءِ الثِّيَابِ. < أحمد "مسند" (345/2) >.
وقال صلى الله عليه وسلم: « وَلَوْ أَنَّ امْرَأَةً مِنْ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ اطَّلَعَتْ إِلَى الأَرْضِ ، لأَضَاءَتْ مَا بَيْنَهُمَا ، وَلَمَلأَتْ مَا بَيْنَهُمَا رِيحًا ، وَلَنَصِيفُهَا - يَعْنِى الْخِمَارَ - خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا » < البخاري (6568)، الترمذي (1651) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رضي الله عنه >.
فكيف بها؟! أين قلوبنا؟.
ألا ترو أننا نبيع الغالي بالخسيس، ألا ترو أن ما ننشغل فيه من معطلات وملهيات أليس هو من اللعب؟ {اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ}. [الحديد/20].
لعب لأن المحصلة موجودة، ربك عز وجل ضمن لك الأرزاق، فلا تأخذ من الدنيا إلا بقدر ما يبلغك الجنة، أما لو انشغلت نرى الغنى مشغول والفقير مشغول، الكل مشغول، لو بلغ العبد مليارات لن يقف، بل نرى أن غالب من انشغل بالدنيا معطل، ونرى الكثير مشغول، كل يتمنى ويتأمل، حتى يهجم عليه الموت.
تخيلوا حل عبد مات ساجداً، مات راكعاً، مات ذاكراً، مات تالياً لكتاب الله عز وجل، وترى البعض مات لاعباً لاهياً غافلاً.
في الجنة ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، روى الأمام مسلم عن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه قَالَ « سَأَلَ مُوسَى رَبَّهُ مَا أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً قَالَ هُوَ رَجُلٌ يَجِىءُ بَعْدَ مَا أُدْخِلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ فَيُقَالُ لَهُ ادْخُلِ الْجَنَّةَ. فَيَقُولُ أَىْ رَبِّ كَيْفَ وَقَدْ نَزَلَ النَّاسُ مَنَازِلَهُمْ وَأَخَذُوا أَخَذَاتِهِمْ فَيُقَالُ لَهُ أَتَرْضَى أَنْ يَكُونَ لَكَ مِثْلُ مُلْكِ مَلِكٍ مِنْ مُلُوكِ الدُّنْيَا فَيَقُولُ رَضِيتُ رَبِّ. فَيَقُولُ لَكَ ذَلِكَ وَمِثْلُهُ وَمِثْلُهُ وَمِثْلُهُ وَمِثْلُهُ [ رب كريم يتودد لعباده، بعد أن أدخلهم الجنة]. فَقَالَ فِى الْخَامِسَةِ رَضِيتُ رَبِّ. فَيَقُولُ هَذَا لَكَ وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ وَلَكَ مَا اشْتَهَتْ نَفْسُكَ وَلَذَّتْ عَيْنُكَ.
فَيَقُولُ رَضِيتُ رَبِّ. قَالَ رَبِّ فَأَعْلاَهُمْ مَنْزِلَةً قَالَ أُولَئِكَ الَّذِينَ أَرَدْتُ غَرَسْتُ كَرَامَتَهُمْ بِيَدِى وَخَتَمْتُ عَلَيْهَا فَلَمْ تَرَ عَيْنٌ وَلَمْ تَسْمَعْ أُذُنٌ وَلَمْ يَخْطُرْ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ ». قَالَ وَمِصْدَاقُهُ فِى كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ (فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِىَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ) الآيَةَ. < مسلم (189) ما بين المعقوفين [ــ] زيادة توضيح من الشيخ >.
فلما أظهروا من العمل وأخفوه، وكان ما أخفوه أعظم مما أظهروا، فأخفى الله عز وجل حالهم، بما لهم من نعيم في الجنة، قَالَ أُولَئِكَ الَّذِينَ أَرَدْتُ غَرَسْتُ كَرَامَتَهُمْ بِيَدِى وَخَتَمْتُ عَلَيْهَا فَلَمْ تَرَ عَيْنٌ وَلَمْ تَسْمَعْ أُذُنٌ وَلَمْ يَخْطُرْ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ (فَلاَ تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِىَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ).
الرب يتودد لخلقه، يطلع إلى الخلق في الجنة وينادي عليهم، عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ أَنَّ النَّبِىَّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ « إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ لأَهْلِ الْجَنَّةِ يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ. فَيَقُولُونَ لَبَّيْكَ رَبَّنَا وَسَعْدَيْكَ وَالْخَيْرُ فِى يَدَيْكَ. فَيَقُولُ هَلْ رَضِيتُمْ فَيَقُولُونَ وَمَا لَنَا لاَ نَرْضَى يَا رَبِّ وَقَدْ أَعْطَيْتَنَا مَا لَمْ تُعْطِ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ [ماذا بعد الجنة؟!] فَيَقُولُ أَلاَ أُعْطِيكُمْ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ فَيَقُولُونَ يَا رَبِّ وَأَىُّ شَىْءٍ أَفْضَلُ مِنْ ذَلِكَ فَيَقُولُ أُحِلُّ عَلَيْكُمْ رِضْوَانِى فَلاَ أَسْخَطُ عَلَيْكُمْ بَعْدَهُ أَبَدًا ». < البخاري (6549)، مسلم (2829) ما بين المعقوفين [ــ] زيادة توضيح من الشيخ >.
وبينما هم ينعمون، وفي الجنة يمرحون ويسرحون، فإذا بالله عز وجل يطل عليهم إطلاله، يا أهل الجنة ماذا تريدون؟ فيقولون ربنا قد أعطيتنا كل شئ، فيقول عز وجل هلا أوزيدكم، فيطلع عليهم ربهم، انظروا هذا النعيم الذي حجب، لا يتخيله متخيل، ولا يتصوره عاقل، أي الجنة وهي خلق من خلق الله عز وجل، فإذا بهم يرون الخالق، يرون الرب سبحانه وتعالى، ألا أزيدكم فيطلع المولى سبحانه وتعالى في كبريائه وعظمته، فلا يرون نعيم بعد هذا النعيم، ثم قرأ النبي صلى الله عليه وسلم: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ}. [يونس/26].
قال أبيّ بن كعب: أنه سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن قول الله {للذين أحسنوا الحسنى وزيادة}. قال: الحسنى: الجنة، والزيادة النظر إلى وجه الله. < تفسير الطبري (65/15) ط مؤسسة الرسالة تحقيق الشيخ أحمد شاكر >.
أستحلفكم بالله لو جمعتم دنياكم، ما مضى وما هو آت، كم يساوي؟.
صور النبي صلى الله عليه وسلم عَنِ الْمُسْتَوْرِدِ بْنِ شَدَّادٍ قال: قال رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ : وَاللهِ مَا الدُّنْيَا فِي الآخِرَةِ إِلاَّ كَمَا يَضَعُ أَحَدُكُمْ إصْبَعَهُ فِي الْيَمِّ ، ثُمَّ يَرْفَعُهَا فَلْيَنْظُرْ بِمَ يَرْجِعُ. < مسلم (2858)، أحمد "مسند" (230/229/4) >.
أوصي نفسي وإياكم أن نقف وقفة، أين دارك غدا؟ أين منزلك غدا؟.
تدور في الشارع ليل نهار لأبد أن تصل إلى بيتك، أو أن تنام على الرصيف، لأبد أن تصل، ليست الدنيا لك بدار أنت تمشي، أنت تسير غداً موطنك ومنزلك ومكانك، إما جنة وإما نار.
أسأل الله الملك أسمائه وصفاته أن يرزقنا الجنة، اللهم ارزقنا الجنة، اللهم ارزقنا الجنة، اللهم حبب إلينا الإيمان، وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان، اللهم إنا نسألك الجنة وما يقرب إليها من قول أو عمل، ونعوذ بك من النار، وما يقرب إليها من قول أو عمل ........ وأقم الصلاة.
جزى الله شيخنا خير الجزاء وأثابه ونفع به....آمين
رد باقتباس
  #2  
قديم 02-24-2010, 11:02 AM
أبو العلاء أبو العلاء غير متواجد حالياً
مشرف
 
تاريخ التسجيل: Jan 2010
المشاركات: 894
افتراضي

جزاك الله خيراً يا أبا ردينه
رد باقتباس
رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
طرق عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع كتابة مواضيع جديدة
لا تستطيع كتابة ردود جديدة
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

رمز [IMG] متاحة
رمز HTML معطلة
الانتقال السريع إلى

المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
خطبة الجمعة 21 صفر 1431 هـ بعنوان ( قصة الأنصار ) لشيخنا صلاح الدين حفظه الله أبو عمر بن غالي قسم تفريغ الدروس 1 03-29-2010 05:18 PM
خطبة الجمعة بعنوان ( الأنقياد لله ... سبيل النجاه ) للمحدث / صلاح الدين عبد الموجود السيد الخباز قســم المرئيـــات 3 06-14-2009 04:29 PM
خطبة الجمعة بعنوان _ وعجلت إليك رب لترضى - المحدث / صلاح الدين على بن عبد الموجود السيد الخباز قســم المرئيـــات 0 05-17-2009 07:08 PM
خطبة الجمعة للمحدث / صلاح الدين بن على بن عبد الموجود بعنوان ( لعلهم يشكرون ) السيد الخباز قســم المرئيـــات 0 05-04-2009 08:06 PM


الساعة الآن: 11:16 PM.


Powered by vBulletin V3.6.4. Copyright ©2000 - 2017,